الحجرية لا تُهزم - الأستاذ الدكتور سمير الشرجبي

Published on 10 October 2026 at 06:14

الحجرية لا تُهزم …

قد تُحاصر ، لكنها لا تستسلم

أ.د. سمير عبد الغني طارش

أكاديمي ونقابي يمني

الحجرية ليست مجرد مساحة جغرافية في تعز ، وليست مجموعة مديريات وقرى وعُزل يمكن لأي قوة مسلحة أن تتعامل معها باعتبارها أرضًا بلا ذاكرة ولا موقف . الحجرية تاريخ من الوعي ، وإرث من النضال ، وبيئة اجتماعية عرفت معنى الجمهورية والحرية والكرامة ، ورفضت على امتداد عقود أن تكون تابعة لمشروع سلالي أو حزبي أو مناطقي .

أعرف أبناء الحجرية ، وأعرف طبيعة هذه الأرض وأهلها ، أعرف أن صمتهم في لحظة ما لا يعني الرضا ، وأن عجزهم المؤقت أمام قوة السلاح لا يعني القبول بمن يفرض نفسه عليهم بالقوة ، هناك فرق كبير بين أن تكون أعزل في لحظة اختلال ميزان القوة ، وبين أن تتخلى عن قناعاتك وعن حقك في وطن حر ودولة جمهورية .

لقد دفعت الحجرية أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية ، عانت من الصراعات الحزبية ومحاولات السيطرة على القرار العسكري والإداري في تعز ، وشهد أبناؤها تفكيك قوى عسكرية كانوا يرون فيها سندًا لهم ، وكان اغتيال قائد اللواء 35 مدرع ، العميد عدنان الحمادي ، محطة مؤلمة ما زالت حاضرة في ذاكرة المنطقة .

واليوم ، في ظل التطورات التي تشهدها بعض مديريات الحجرية ، فإن الخطر الأكبر ليس مجرد وجود قوة مسلحة في قرية أو مدينة ، الخطر الحقيقي هو محاولة تحويل الأمر الواقع إلى قبول اجتماعي ، وإقناع الناس بأن المقاومة انتهت وأن عليهم التعايش مع ما فُرض عليهم .

وهنا تقع مسؤولية أبناء الحجرية ، ليس المطلوب من المواطن الأعزل أن يدخل مواجهة غير متكافئة ، ولا أن يغامر بأسرته وحياته في ظرف لا تتوفر فيه شروط المواجهة ، الصمود نفسه موقف ، الحفاظ على القناعة الجمهورية موقف ، الامتناع عن منح أي سلطة مفروضة شرعية اجتماعية أو سياسية موقف ، حماية الشباب من التعبئة الطائفية والسلالية موقف ، والتمسك بتاريخ المنطقة وهويتها الوطنية موقف ، على أبناء القرى والعُزل والمديريات أن يحافظوا على تماسكهم الاجتماعي ، وألا يسمحوا بتحويل خلافاتهم القديمة إلى أدوات لتمزيقهم من الداخل ، يجب ألا يصبح الجار عدوًا لجاره ، ولا القرية خصمًا للقرية ، لأن أي قوة تسعى للسيطرة تبدأ عادة من تفكيك المجتمع قبل السيطرة عليه .

المقاومة في هذه المرحلة يمكن أن تكون وعيًا وموقفًا مدنيًا : عدم المشاركة في فعاليات تهدف إلى إضفاء الشرعية على سلطة مفروضة بالقوة ، وعدم الانخراط في خطاب الكراهية والتحريض المذهبي ، والمحافظة على الهوية الوطنية الجمهورية ، وتوثيق الانتهاكات بصورة آمنة وقانونية وإيصالها إلى الجهات الحقوقية والإعلامية المختصة ، مع حماية المدنيين وعدم تعريضهم للخطر .

ومن المهم أن يُوثَّق كل انتهاك ضد السكان والممتلكات والحقوق العامة توثيقًا مهنيًا : التاريخ والمكان وطبيعة الواقعة والشهود والأدلة المتاحة ، على أن يتم ذلك من دون ملاحقة الأفراد أو تعريض المواطنين لعمليات انتقام أو تصفية حسابات شخصية ،  فالعدالة التي نريدها لليمن يجب أن تقوم على القانون ، لا على الانتقام .

وفي الوقت نفسه ، تقع مسؤولية كبيرة على الدولة ومجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع والسلطات المحلية ، لا يجوز ترك أبناء الحجرية وحدهم في مواجهة أي تهديد ، ثم مطالبتهم بالصمود ، مسؤولية الدولة هي حماية المواطنين ، وإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية على أساس وطني ، وإسناد أبناء المناطق من خلال مؤسسات رسمية منضبطة ، بعيدًا عن هيمنة الأحزاب والجماعات .

الحجرية لا تحتاج إلى وصاية جديدة ، تحتاج إلى دولة ، ولا تحتاج إلى أن تستبدل قوة مسلحة بقوة حزبية أخرى ، تحتاج إلى جيش وطني وقانون ومؤسسات ومواطنة متساوية .

رسالتي اليوم لأهلي أبناء الحجرية بسيطة : لا تسمحوا للخوف أن يتحول إلى استسلام ، ولا للغضب أن يتحول إلى فوضى ، حافظوا على أنفسكم وأهلكم ، وعلى وحدتكم ، وعلى ذاكرة مناطقكم ، وعلى إيمانكم بالجمهورية والحرية والكرامة .

قد تمر لحظات يبدو فيها ميزان القوة مختلًا ، لكن التاريخ لا يُكتب بلحظة واحدة .

الشعوب التي تحتفظ بوعيها وهويتها وقدرتها على التماسك تستطيع أن تستعيد حقوقها عندما تتغير الظروف .

الحجرية التي عرفت سبتمبر وأكتوبر ، وقدمت رجالًا للدولة والجمهورية ، لن تتحول بسهولة إلى بيئة خاضعة لفكر لا تؤمن به .

اليوم صمود ووعي وتماسك  ، وغدًا دولة وقانون وحرية .

الحجرية لا تنحني … لأنها تعرف من تكون ، وتعرف أي يمن تريد .