افتتاحيات جريدة البعث العدد ١٧٣

Published on 24 May 2026 at 01:17

حزب البعث العربي الاشتراكي 

قيادة قطر العراق المنتخبة 

 

افتتاحية جريدة البعث العدد ( ١٧٣ ) في ٢٣ / ٥ / ٢٠٢٦ 

 

إذا ظننتم أنها مجرد أفكار ، فأنتم تنتحرون 

                      

لو نظرنا إلى ما يُنشر ويروج له بقوة ، من قبل أطراف كثيرة ، للاحظنا أن التوعية الزائفة بهويات وحضارات بديلة عن الحضارة العربية لم تعد مجرد أوهام فردية ، بل تكاملت كل الشروط الموضوعية لاعتبارها إعدادات فكرية ونفسية لمستقبل ، قد لا يكون بعيداً ، تحول فيه هذه النظريات الزائفة إلى وقائع مادية ، تماماً مثلما حصل حينما رُوِّج ل( وعد بالفور ) قبل أكثر من قرن ، ونُظر إلى هذه العملية وقتها على أنها مجرد أفكار يصعب تطبيقها ! ، لكن الواقع أكد بأن الغرب والصهيونية كانا ينفذان مخططات بصورة متدرجة .ه

ولكي لا نقع في فخ الغفلة المتدرجة ، لا بد من تسليط الأضواء على الطروحات التي تروج وتعد تمهيداً لما سيطبق لاحقاً : ه

أولاً : تتصاعد منذ سنوات الادعاءات التاريخية المزيفة بصورة تدفع للسخرية من غرابتها ، والتي تقول ب( أن المشرق العربي كان كردياً ! ، وأن امبراطوريات كردية قد نشأت )، بعد أن نسبت للأكراد حضارات دون أي دليل مادي على ذلك ، مثل السومرية ، سوى بعض الملاحظات لكتاب غربيين كانوا من الذين زوروا التاريخ المعاصر ، بل وصل الأمر إلى حد اعتبار ( آدم ) بذاته كان كردياً ! ، وهذه الدعوة التي تروج بنشاط وكثافة في منصات التواصل الإعلامي ، وتدغدغ مشاعر الحقوق التاريخية الزائفة ، لا تختلف عن تمهيدات إقامة ( إسرائيل ) .ه 

ثانياً : رغم أن الأمازيغية في المغرب العربي لا تتمتع بأي أصول تاريخية ، فإن دعاتها يزدادون على مستوى الإعلام طبعاً ، ويظهرون عداء شرساً للعرب ويمعنون في تزوير التاريخ ، تماماً كدعاة ( الحضارات الكردية ) ، ويروجون لفكرة أن العرب مستعمرين يجب طردهم ! ، ورغم أن الدعوة الأمازيغية صناعة فرنسية إسرائيلية حديثة ، كالدعوة لإحلال الأكراد محل العرب في المشرق العربي ، فإن الغرب والصهيونية ومن جند من قبلهما يصعدان حملاتهم للتضليل والخداع . ه

ثالثاً : وفي المشرق العربي ما زالت ادعاءات أن الحضارات القديمة فيه مثل السومرية والبابلية والآشورية والسريانية أو الشامية كالكنعانية والفينيقية وغيرها ليست لها صلة بالعروبة ، وأن العروبة حديثة الولادة أتت مع الإسلام إلى المنطقة ، وبالتالي فهي استعمار سيطر على مناطق تلك الحضارات القديمة ! ، وهذا ما ظهر واضحاً في العراق بعد غزوه بصورة تلفت النظر .ه 

رابعاً : أن هذه الدعوات لا تختلف عن الدعوة لإقامة إسرائيل في فلسطين قبل أكثر من قرن ، من حيث أنها إعدادات نفسية وثقافية هدفها إعادة تشكيل وعي الناس ، أو بعضهم على الأقل ، كي يتقبلوا البدائل الحضارية المزيفة ويتم التخلي عن العروبة تدريجياً ، وما يؤكد ذلك هو أن هذه الدعوات ، ورغم بعدها الجغرافي عن بعضها ، تلتقي عند قاسم مشترك وهو معاداة العرب ، واستخدام نفس الحجج مثل الدعوة لطردهم إلى الجزيرة العربية ( وطنهم الأصلي ) ! .ه

وهذا التطرف في معاداة العرب ، غير مبرر ، فحتى لو افترضنا لأغراض النقاش ، وجود حق لهؤلاء وقبلنا نظرية أن العرب احتلوا المنطقة بعد الفتح الاسلامي ، فإن الواقع يؤكد أن العرب عاشوا على الأقل ، وطبقاً لتلك الرويات المزيفة ، أكثر من( 1400 ) عام في المنطقة ، وهو زمن أطول من أعمار كل دول أوربا الغربية وأمريكا وكندا ، واستراليا وغيرها ، وهنا تبرز ازدواجية المعايير الغربية : فكيف يمكن اقتصار التهجير على العرب في وقت رسخت فيه حقوق المستمعرين الصهاينة والأوربيين في مناطق هائلة غزوها منذ فترة لا تتجاوز الثلاثة قرون ؟ .ه

يضاف إلى ذلك ، ظاهرة استخدام نفس التعابير والحجج ضد العرب من قبل هذه العناصر ، مما يدل على أن منطقها وحججها معدة لها سلفاً تماماً مثلما أُعدت حجج الصهاينة ! .ه

هذا الأمر ليس بريئاً ، ولا عفوياً ، أنه نتاج مخطط موضوع مسبقاً من قبل الغرب والصهيونية ، وهما من يغذيان الحملات التضليلية . ه

واستناداً لهذه الملاحظة ، فإن الخطر الذي يهدد الأمة العربية ليس فرضيات ، بل تمهيدات ، مثل التمهيدات بعد صدور وعد بلفور التي أدت إلى إنشاء ( إسرائيل ) .ه 

إن تثبيتنا لهذه الملاحظات هدفه نشر الوعي وإيقاظ العقول التي لم تستوعب بعد حقيقة أن هذه المشاريع ليست مجرد ضجيج إعلامي عابر ، بل هي خطوات عملية على طريق تحقيق أهداف كبرى هدفها محو القومية العربية تدريجياً وجذرياً ، تتوج بقرارات أممية متفق عليها كقرار تقسيم فلسطين ، بإنشاء دويلات هجينة على ( أنقاض الأمة العربية ) ! ، الأمر الذي يوجب مواجهة هذه الدعوات وفضحها بإثبات أن جذورها صهيونية وغربية ، وأنها لا وجود لها في التاريخ الواقعي المثبت بالآثار المادية الموجودة . ه 

والضرورة الفائقة تقتضي التذكير دائماً بحقيقتين :ه

الحقيقة الأولى ، أن العرب اعترفوا بوجود أقليات ومنحوها حقوقا كاملة مثل المواطن العربي ، والمثال على ذلك الحكم الذاتي للأكراد في العراق .ه

وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن تلبية بعض مطاليب هذه الجماعات مثل الاعتراف باللغة الأمازيغية في الجزائر والمغرب والحكم الذاتي في العراق للأكراد لم تؤدي إلى تراجع حدة عداء هذه الدعوات للعرب ولا اقتناعهم بما قدم لهم ، بل وسعوا نطاق مطاليبهم الجغرافية المزيفة ، وزادتهم قوة وإصرار ، واعتبرت ذلك اعترافاً من العرب بأدعاتهم الزائفة ! .ه

فهل من الحكمة التعامل مع هذه الدعوات على أنها مجرد نظريات طارئة ومؤقتة ، أم على أساس أنها مخططات وضعت للتنفيذ المضمون بتسخير كل قدرات وإمكانيات الغرب والصهيونية وأطراف إقليمية لتحقيقها ؟ . ه

الجرس الوجودي يدق للعرب منبها إياهم إلى أن أكثر من فلسطين ستنشأ وبأسماء مختلفة ، أذا بقينا ننظر إلى هذه الدعوات على أنها مجرد آراء ، وعجزنا عن ربطها بخطط الغرب والصهيونية وبعض أفراد الأقليات . ه

فاليقظة وضرورة توحيد الصفوف ، والتركيز على دحض هذه الطروحات وإعداد متطلبات دفنها ، لمنع قيام أكثر من فلسطين في الوطن العربي ، وتلك هي واجبات حاسمة لطلائع أمتنا العربية .ه