في تصرف غريب يلفت الإنتباه ويثير العديد من التساؤلات الجوهرية قامت السفارة السعودية في بغداد بإرسال البرقية التالية الى حكومة بغداد : ( تتقدم سفارة المملكة العربية السعودية لدى جمهورية العراق بخالص التعازي والمواساة إلى الشعب العراقي الشقيق في وفاة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض ، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ، ويسكنه فسيح جناته ، ويلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان ) ! .ه
إن هذه التعزية البالغة الغرابة تأتي في وقت تصل فيه خطط أيران لتدمير دول الخليج العربي بما فيها السعودية ذروتها ، في تأكيد إضافي وحاسم على أن إيران تضمر شراً مطلقاً متجذراً وعنيفاً إزداد قوة مؤخراً تجاه دول الخليج العربي ، خصوصاً ضد السعودية ، وهذا أمر واضح ويعرفه حتى الإنسان البسيط ، وآخر الأدلة هو آلاف الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي أطلقت على دول الخليج ، محولة أوضاعها إلى ما يشبه الكوارث ، التي لم تواجه مثلها في تاريخها ! ، وهذه الهجمات وأن تسترت بغطاء ضرب القواعد الأمريكية ، إلا أنها شملت منشآت مدنية إنتاجية ومناطق سكنية لا صلة لها ، لا من بعيد ولا من قريب ، بالقواعد الأمريكية ، وهذا دليل حاسم آخر يؤكد أن خطة إيران التقليدية منذ وصل " الخميني " للحكم وحتى هذه اللحظة ما زالت كما هي ولم تتغير ، وهي استعمار دول الخليج العربي . ه
وفي إطار هذه الملاحظة يتساءل حتى الإنسان البسيط : لماذا تقتصر الهجمات على القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي ولا تشمل دولاً أخرى غير عربية مثل أذربيجان ودول آسيوية أخرى كثيرة مملوءة بالقواعد الأمريكية والإسرائيلية أيضا ؟ .ه
إن هذه الملاحظة تؤكد دون أدنى شك أن هذه الهجمات على دول الخليج العربي تعبير واضح عن موقف متجذر قديم وثابت . ه
إذن ما الذي جعل السعودية تأمر سفارتها بإرسال برقية إلى ما يسمى الحكومة العراقية معزية بوفاة أحد أهم أركان ما يسمى ( المرجعية ) وهي المسؤول الأول عن كوارث العراق ؟ .ه
ولكي تكون الصورة أوضح لا بد من الإشارة إلى أن هذا الشخص أفغاني الجنسية والهوية ولم يحمل في حياته الجنسية العراقية لأنه رفضها بإصرار رغم أنه قضى أغلب حياته في العراق ! ، وهو مسؤول مثل غيره من الذين اعتمروا العمامة الدينية لإخفاء الطبيعة الاستعمارية للخطط الإيرانية في كل المنطقة ، بما فيها السعودية ، والسلطات السعودية تعرف ما سبق جيداً ! .ه
إذن ما الذي جعل السعودية تقوم بما اعتبرته واجب التعزية ، بل وتمادت أكثر في اعتباره يمثل العراق ورمزاً من رموزه ؟ .ه
إن هذه خطيئة كبرى ، تلزمنا بلفت نظر السلطات السعودية إلى أن مثل هذه المواقف المتوددة لإيران لا تعطي رضا إيران عليها ، بل هي تفهم على أنها دليل آخر على أن السعودية خائفة منها وتتملقها ، وبالتالي يزداد حكام إيران إصراراً على تنفيذ مخططاتهم المعادية للسعودية وبقية دول الخليج العربي ! ، فما الذي أوقع حكومة السعودية في هذه الخطيئة التي يراها شعب العراق كدعم مباشر للكوارث التي صنعتها إيران في العراق ؟ .ه
وتعلم حكومة السعودية وبقية دول الخليج بأن الحرب التي دارت وتوقفت بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية تستبطن هدفاً أخذ يتضح أكثر فأكثر ، وهو أن تكون دول الخليج العربي بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام الغنيمة التي تتقاسمها أمريكا مع إيران وإسرائيل ، وكل المؤشرات عن الاتفاقات الأمريكية الإيرانية الأخيرة تذهب إلى تأكيد هذه الحقيقة .ه
وهذا الواقع المرير دفع الكثير من شرفاء العرب غير الراضين عن مواقف دول الخليج إلى الإعراب عن وجهة نظرهم القائمة على أنها لحظة تاريخية فريدة تفرض على دول الخليج ، خصوصاً السعودية ، إعادة النظر بصورة جذرية بعلاقاتها مع أمريكا ، ومن طبع منها مع إسرائيل ، وتبني سياسات أخرى تتحوط للغدر الأمريكي الإسرائيلي بها ، تقوم على المصالحة مع بقية العرب بما في ذلك قوى التحرر الوطني ، خصوصاً العراق ، بشعبه ومعارضته ومقاومته الوطنية ، وتبني سياسات داخلية تعيد ارتباط فئات كبيرة من الشعب العربي في دول الخليج العربي بحكوماته من خلال تحسين أوضاعها المعاشية .ه
من هنا ، فإن حزبنا ، حزب البعث العربي الاشتراكي ، يلفت نظر الحكومة السعودية إلى هذا الخطأ الفادح ويدعوها صادقاً وحريصاً على عروبة السعودية ودول الخليج ، واستعداده للدفاع عن هذه العروبة ، كما فعل في العقود الماضية ، ولكن في إطار اتفاق دول الخليج وعلى رأسها السعودية مع القوى الوطنية العربية وليس مع المراجع الخادمة لمصالح إيران الاستعمارية .ه
لقد جربت السعودية دعم مقتدى الصدر بأموال طائلة إضافة للدعم السياسي ، ولكن النتيجة كانت واحدة وهي تأكيد أن ولائه المطلق لإيران . ه
إن مصير السعودية ودول الخليج في خطر شديد لم تتعرض لمثله في تاريخها كلهو، وهذا واقع مرير يفرض عليها إعادة النظر كي تستطيع ضمان دعم الجماهير العربية لها وتحقيق الهدف الأعظم وهو المحافظة على عروبة الخليج وعدم تقاسمه بين إسرائيل وأمريكا وإيران ، كما تؤكد كل المؤشرات المتزايدة هذه الأيام ، فهل تقرأ الحكومة السعودية الواقع كما هو وتصل إلى استنتاجات تكفي لإجهاض مخاطر المخططات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية تجاهها ؟ .ه