حزب البعث العربي الاشتراكي
قيادة قطر العراق المنتخبة
افتتاحية العدد ( ١٧٧ ) في ( ٢٠ حزيران ٢٠٢٦ )
نعم ، إيران ذخيرة استراتيجية للغرب
قال قائد الجيش الأمريكي يوم ( 20-6-2026 ) : ه
إن أمريكا أوقفت السماح لإيران بالتصدير والاستيراد بشكل كامل في الأيام الأخيرة من أجل إجبارها على الرضوخ للطلبات الامريكية ! .ه
وهذا التصريح يؤكد مرة أخرى أن نظام العقوبات الذي فرضته أمريكا على إيران لم يكن يطبق عليها طوال أربعة عقود مضت بصورة حازمة ، وكانت فيه منافذ كبيرة للتبادل التجاري العادي مع عدد كبير من دول العالم وبعلم أمريكا وموافقتها ، لأن المعاملات تمر عبر أمريكا ، ولذلك تحملت إيران العقوبات وتعايشت معها لأنها مقارنة بالعقوبات التي فرضتها على العراق سهلة . ه
وهذا التصريح أدلى به قائد الجيش الأمريكي في شهادة أمام الكونغرس الأمريكي ، وهي تقدم دليلاً آخراً يضاف إلى عشرات الأدلة التي تثبت أن العقوبات الأمريكية على إيران مخرمة كالمنخل وتعمدت أمريكا أن تجعلها كذلك كي لا تنهار إيران إذا طبقت بصورة تامة ، ويترتب على ذلك اعتراف رسمي أمريكي بأن الإدارات الأمريكية المختلفة ، بما فيها إدارة " ترامب " الأكثر تشدداً ظاهرياً تجاه إيران ، لم تتقيد بالعقوبات وسمحت لإيران بالمتاجرة وبتحويل الأموال عن طريق النظام المالي العالمي الذي تسيطر عليه ، والسؤال المنطقي الملح هو :ه
لماذا لم تمارس أمريكا أسلوباً صارماً كالذي طبقته على العراق في ظل الحكم الوطني في تنفيذ العقوبات إلا الآن ؟ .ه
إن الجواب على هذا السؤال يتعلق بالأصل بالمهمة الأساسية للنظام الإيراني في المخطط الأمريكي الغربي الصهيوني ، فمن أسقط شاه إيران هو المخابرات الأمريكية والبريطانية وهذه الحقيقة أكدتها العديد من الوثائق ، ناهيك عن أن الأحداث خلال أكثر من أربعة عقود أكدت أن نظام الملالي مدعوم من الغرب والضغوطات التي مورست وتمارس عليه هدفها منعه من تجاوز الخطوط الحمر التي وضعها له بعد تنصيب " خميني " حاكماً على إيران .ه
وقد أكدت الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران هذه الحقيقة ، فالحرب كان هدفها إعادة النظام الإيراني لما بين السكتين وانسحابه من الأقطار التي احتلها بدعم أمريكي صهيوني ، مثل العراق وسورية ، بعد أن أكمل دوره المطلوب وهو نشر الفتن الطائفية والعنصرية وتخريب الإقتصاد والمجتمع ، وهي شروط مطلوبة لتقسيم الأقطار العربية في المخطط الغربي والصهيوني ، ومن نجح في تنفيذها فقط هو نظام الملالي .ه
وما يجب التذكير به ، هو أن السياسة الأمريكية الثابتة منذ فرض "" خميني " حاكماً على إيران وحتى الآن تجسدت في ( سياسة الاحتواء المزدوج ) التي أعلنت في تسعينيات القرن الماضي ، وهذه السياسة تقوم على العمل على السيطرة على العراق وإيران ، ولكنها تميز بين أساليب السيطرة هذه ، فتقول بأننا نعمل لاحتواء إيران بالضغوط المختلفة اقتصادية وسياسية وإعلامية وعسكرية أيضاً ، من أجل إجبار النظام على الرجوع إلى ما بين السكتين ، وهذا الموقف لا يشمل إسقاط النظام ولا شن حرب شاملة تدميرية عليه ، لأن إيران تبقى ذخيرة للغرب مهما تبدلت النظم ومهما برزت خلافات مع هذه النظم ، أما بالنسبة للعراق فتؤكد سياسة الاحتواء المزدوج بأنه لا حوار ولا تفاوض مع العراق ويجب إسقاط النظام بالقوة العسكرية ، وهذا الفرق في الموقف الأمريكي من نظام الملالي ومن النظام الوطني في العراق هو الذي يفسر ما يجري الآن ، فالمطلوب هو انسحاب النظام الإيراني من الدول التي احتلها بدعم غربي صهيوني ، لأنها مناطق تقع ضمن ما يسمى مناطق النفوذ الامريكي والصهيوني .ه
ولعل من أبرز الأدلة على صحة ذلك ، هو أن الحرب التي شنت على إيران من قبل أمريكا و( إسرائيل ) أصرت أمريكا على أن لا تصبح عملية لتدمير إيران ، كما فعلت مع العراق ودمرته تدميراُ تاماً ، بل أصرت على الضغط المتزايد على النظام الإيراني كي يستسلم ويتراجع عن مكاسبه الإقليمية وعن مشاريعه النووية والصاروخية ، وحينما أراد " نتنياهو " أن يسقط النظام ويقسم إيران منعه ترامب رسمياً .ه
ودافع نتنياهو ضد بقاء إيران قوية يعود لظاهرة أن الدور الإيراني الناجح في زرع الفتن في الوطن العربي أخذ يهشم الدور الإسرائيلي الإقليمي في المخطط الغربي ، فإيران تخدم المصالح الغربية والصهيونية مجاناً لأن هذه المصالح مصالح مشتركة بين الفرس والصهاينة والغربيين ، بينما إسرائيل أصبح ثمنها باهظاً ويكلف أمريكا ليس المال ولا الرجال فقط ، بل سمعتها التي وصلت إلى الحضيض حتى داخل أمريكا .ه
شهادة قائد الجيش الأمريكي تحصيل حاصل لحقيقة ثابتة ، وهي أن إيران لم تكن لا ماضياً ولا حاضراً عدوة للغرب ، بل كانت جزء منه وأداة من أدواته ، وحينما تلجأ القيادة الإيرانية إلى تغليب المصالح القومية الإيرانية على مصالح الغرب تتدخل قوى الغرب لإجبار النظام على الرضوخ .ه
ويكفي تذكر أن الحرب التي شنتها أمريكا و( إسرائيل ) لم تدمر البني التحتية في إيران ولا المصالح الاقتصادية كمنابع النفط ومخازنه ، ولم تحرق المزارع والمصانع ، ولم تدمر الجسور والمؤسسات الاقتصادية ، وكل هذه الأشياء فعلتها في العراق بصورة شاملة ، لأنها تعتقد بأن تغيير رؤوس النظام ، دون إسقاطه ، إذا أصر على مواقفه ، سوف يمهد الطريق لقيادة بديلة لن تواجه تعقيدات إعادة البناء بل ستجد البنية التحتية والإمكانات الاقتصادية تحت تصرفها في أية لحظة . ه
تذكر هذه الحقائق يجعلنا نفهم الأسرار الخفية وراء الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير ، فهو جزء من خطة إعادة تأهيل إيران ورسم صورة إيجابية لها في المنطقة لكي تكمل الدور الذي بدأته ، وهو تهديد دول الخليج العربي وغيرها وهو ما يدفعها لشراء السلاح وطلب حماية أمريكا وهذا هو المطلوب . ه
اللعبة تتضح والحقائق التي كانت تخفى وتنكر تؤكد ، وهي أن إيران ذخيرة استراتيجية لأمريكا والصهيونية وليست عدوة لهما . ه
هيئة تحرير البعث