الاغتراب والنهضة القومية

إن الشباب هم أمل المستقبل1 ، ونريد أن نذكركم بالأعباء والمهام الكبيرة التي تلقيها عليكم أمتكم ، ليس عندما تعودون إلى الوطن فحسب ، ولكن منذ أن اغتربتم لطلب العلم .  

إن حزب البعث العربي الاشتراكي يقدر هذا الاغتراب في المنظور القومي لأنه تهيئة لكم للعمل مستقبلاً في الوطن نفسه مزودين بكفاءة أعلى ومعرفة أوسع وتجربة إنسانية أعمق .

إن من حقكم ان تذكرونا في مثل هذه المناسبة بمسؤولياتنا وبما تعاهدنا عليه منذ أن صممنا هذه الحركة القومية من العمل الدائب ، والعمل بروح ثورية ومعقلية حديثة وبأساليب جديدة وناجعة من أجل اقتراب من الأهداف القومية الكبرى .

الاغتراب لطلب العلم واجب قومي

إن الاغتراب لطلب العلم بشتى فروعه هو واجب قومي أساسي ، وليس من تحصيل الحاصل أن نحاول التعمق قليلاً في معنى هذا الاغتراب وفي مضمونه وفيما يرجى أن يعطيه من نتائج ، فلو افترضنا أن كل الفروع التي ذهبتم للتخصص فيها موجودة في الوطن وبنفس الدرجة من الكفاءة العالية يبقى للاغتراب فائدة أكبر لأنكم تحصلون العلوم التي تتخصصون بها وتحصلون أشياء أخرى تحتاجها نهضتنا الحديثة ، فهي لا يُؤتى بها من الخارج بشكل جامد لأنها ليست مجرد أدوات أو تكنولوجيا وتخصص في شتى العلوم وإنما هي أشياء معنوية ، روحية وفكرية ، يلاحظها المرء نتيجة الانتقال من وسط الى آخر ، نتيجة الاختلاف بين بيئة وأخرى ، بين مستوى وآخر ، بين فكر وآخر ، بين فكر واجتماعي وآخر ، وملاحظة هذه الأشياء لا تأتي في يوم ولا تأتي في سنة، وانما هي شيء بطيء ، يأتي بالحس البطيء ، وبالتفاعل .

نهضتنا الحديثة

إننا في نهضتنا الحديثة بحاجة بالدرجة الأولى إلى أن نرى ماهو مختلف عنا وليس بالضرورة ماهو مختلف ، أما إذا كانت هناك مجتمعات أرقى تتوفر لها وسائل لم تتوفر لنا وكانت حياتها في صمود مستمر لم تعرف النكسات التي عرفها مجتمعنا ولم تأت عليها قرون من الظلام ومن التخلف ، فهذا يكون من الطبيعي مجالاً أنسب لنا للإفادة .

إني وضعت الأهمية الأولى للاختلاف أكثر من الرقي والتقدم في رأيي - وهذا شي أساس - أن يكون أفقاً واسعاً وألّا نتقوقع وألا نتجمد على صورة واحدة ونظن أننا وحدنا في الوجود ، علينا أن نقبض على حركة الحياة بملاحظة هذا التباين والاختلاف بين البشر لكي نصل إلى التوازن النفسي والعقلي وبالتالي تقترب مقاييسنا وأحكامنا من الموضوعية والعدل ونصبح جزءاً أصيلاً من الإنسانية وحزءا حيّاً ومتفاعلاً معها بعد هذه القرون التي مرت من التجمد والعزلة ، فنحن في الماضي كنا في صميم الإنسانية كنا بؤرة إشعاع  .

الحضارات العربية

إن الحضارات العربية ذات المكانة المعروفة في التاريخ لم تولد وتزدهر إلا عندما توسعت آفاق العرب ، وعندما جابوا الأمصار ، وعندما تمازجت العقليات والحضارات ، هذا الكلام بدون ضوابط لا يعطي النتائج التي نرجوها.

إن هذا الكلام موجه إلى شباب ملتزم بعقيدة ونضال ، واغترابه مؤقت ووسيلة من أجل ان يعود ويؤدي واجبه بشكل أكثر كمالاً ونضجاً وتوازناً ، ونفس الحماسة أدعو كل الشباب الذي اغترب أن يعود إلى أمته ووطنه ولا يضيع قسماً منه تحت أي عذر من الأعذار في الحياة الأجنبية وينسى روابطه القومية وأصالة وواجبه في إفادة أمته من إختصاصه ومكتسباته المعنوية خلال فترة اغترابه .

انتم تعيشون في فترة من الفترات الصعبة المعقدة التي يمر بها نضالنا العربي ، تكاد صورة المستقبل فيها تعلوها أحياناً الظلال ، ولكن حركة الثورة العربية في هذا العصر انطلقت من مفاهيم تتطلب النظر البعيد والنفس العميق وتتطلب أن تجمع صفتي الإيمان والعقل وهما صفتان أساسيتان وإن لم يكن الجمع بينهما سهلاً .  

 

١٧ كانون الثاني ١٩٨٠

[ ١ ] من حديث مع مجموعة من الطلبة والشباب العرب في العالم خلال زيارتهم للعراق في ٧ / ١ / ١٩٨٠

ص ٢٥٣ - ٢٥٤ - ٢٥٥