ترامب والصين .. ونار التنين
جومرد حقي إسماعيل
لنعد قليلاً إلى زمن فائت ، إلى الدورة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي " ترامب " ، حيث انشغل أكثر ما أشغله هو تركيا المنطلقة بسرعة نحو القمة ، والصين المتقدمة بخطى حثيثة نحو القطبية ، ولنربط ذلك الزمان بالدورة الرئاسية الثانية له ، الآن .ه
في هذه الدورة - الثانية - توعد ترامب كل من كندا - ودعا إلى ضمها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وتوعد فنزويلا - ونفذ وعده واستولى عليها واعتقل رئيسها ، وتوعد بنما في قناتها ، وصرح بنقل القاعدة العسكرية الأمريكية من إسپانيا إلى المغرب ، وتوعد روسيا في إسناده لأوكرينيا ، وتوعد باحتلال جزيرة ( جرين لاند ) الدانماركية ، وتوعد إيران المجوسية في إزالة نظامها ، ووعد في إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط ، وعينه على جائزة نوبل للسلام ، وما زاغت عينه عن تركيا والصين ، ناهيك عن أطماعه في أموال دول الخليج العربي ونفط العراق .ه
الذي يتدبر حال ترامب اليوم .. سيراه في حال التخبط ، وذلك الثور الهائج وفي رقبته حبال تضيق الخناق عليه شيئاً فشيئاً .ه
بدأت حكايته من كل مكان وجهة ، وكل جهة كانت تلف على رقبته حبلاً ، كرد طبيعي وهو في حالة الترنح وتوقف الفص الأيمن من دماغه عن العمل .ه
ولتوصيف حاله ، دعونا نتدبر عقد الحبال التي لفّت على رقبته :ه
أولاً ) عقدة فنزويلا
لقد ظن هذا المتهور أن سيطرته السهلة على فنزويلا ستخفف عنه أعباء الدين العام على أمريكا ، والبالغ ( ٣٨ ) ترليون دولاراً ، لكنه فوجئ بأن نفط فنزويلا ثقيل وما كاد ليغطي تكاليف استخراجه ليكفي تغطية اقتصادها ونموها ، وهذا هو المقلب الأول الذي أخده بنفسه وعلى نفسه ، بل .. وحتى وإن كانت له مخططات أخرى هناك ، فإنها متوقفة الآن بسبب الخانق الذي وضع نفسه فيه .ه
ثانياً ) عقدة كندا ( حليف أمريكا في حلف الناتو )
شاءت الأقدار أن يتربع على رأس الحكومة الكندية محنك اقتصادي - بل تكاد لا تألف ثعلباً اقتصادياً مثله على وجه المعمورة اليوم - في ذات الفترة التي استلم فيها ترامب دورته الرئاسية الثانية .ه
سال لعاب ترامب باتجاه كندا ، ذلك .. لأن كندا تأتي في المرتبة الرابعة عالمياً في إنتاج النفط ، وفي مقدمة العالم على مستوى المعادن الأخرى ، ناهيك أنها الدولة التي تمتلك العدد الأكبر من المسطحات المائية ، والتي تبلغ ( ٥٢٠ ) ألف مسطحاً مائياً بضمنها الأنهار والبحار .ه
بدأت دعوات ترامب في ضم كندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وبدأ في اتخاذ قرارات اقتصادية للضغط على الحكومة الكندية ، فإذا برئيس وزراء كندا " مارك گارني " يقابله بقرارات اقتصادية أشد وطأة على أمريكا ، مما أجبر ترامب على إلغاء وتخفيف عدداً من تلك القرارات ، لكنه .. لم ينتهي في تهديده لكندا ، قابله گارني بتصعيد لهجته في الرد عليه .ه
مارك گارني لم يطمئن لهذا الأحمق وهو يراه يضرب يمنة ويسرة هنا وهناك في العالم ، فاتخذ خطوة جبارة وجريئة ليلقن عاهر البيت الأبيض درساً أفقده فصه الأيمن من الدماغ .ه
ذهب گارني إلى التنين الصيني - البعبع الذي يخافه ترامب - وعقد معهم صفقات واسعة في مختلف المجالات ، وهذا يعني أنه سيأتي ب( البعبع ) ليجاور ترامب ، وتكون الصين أكثر قرباً من جزيرة ( گرين لاند ) ، وهذا التواجد بالتأكيد يقلق الإدارة الأمريكية برمتها .ه
الحقائق تقول : إذا ما أنجزت الصين اتفاقياتها مع كندا ، فإن أمريكا بعد ذلك لن تستطيع بيع مسماراً واحدة لا في أمريكا ولا خارجها ، وأن كندا ستحقق اكتفاءها الذاتي من الطاقة بعيداً عن هيمنة أمريكا .ه
هنا ، تمكن ثعلب الاقتصاد ، گارني ، من تضيق خنقة الحبل على رقبة ترامب بقوة ، لكنه .. ما زال يجر أنفاسه الأخيرة . ه
ثالثاً ) عقدة أوكراينا
بعد أن خططت أمريكا ومعها أورپا في حلف الناتو من أن تكون لها موقعاً متقدماً ملاصقاً لروسيا من خلال قواعد في ( أوكراينا ) ، فإذا بروسيا تباغتهم بحربها ضد أوكراينا - استنزافية ومفتوحة ومعلقة - حتى أصبح قرار إنهائها بيدها فقط وحصرياً .ه
ماذا نعني بالاستنزافية ؟ ، إنه استنزاف اقتصاد أورپا بالدرجة الأساس ، ولا نقول أمريكا ، لأن أمريكا استندت بالدرجة الأساس على حلفائها الأورپبيين في دعم أوكراينا مادياً ومنها التجهيز العسكري .ه
ولم يلبث الحال فترة وجيزة حتى بدأ الدعم الأورپي يتراجع حيث أثقلت هذه الحرب كواهلهم الاقتصادية المتعب أصلاً قبل الحرب الروسية - الأوكرانية ، وأدركوا أن هذه الحرب ليست حربهم ، وأن ترامب يستخدمهم بالإنابة بحجة حلف الناتو وعلى حساب استقرارهم الاقتصادي . ه
رابعاً ) عقدة تركيا
الرئيس التركي " رجب طيب أردوغان " والساعي لتقديم نسخة جديدة من الامبراطورية العثمانية يلعب لعبته المتقنة مع كل من حوله - أمريكا ، الكيان الصهيوني ، روسيا ، أورپا ، إيران ، أفريقيا .. والعرب - ويحاول أن يجعل بينه وبين الكل مسافات واحدة مع مسافة أقرب من ( إسرائيل ) على حساب حكام ( العرب ) وغفلتهم .ه
ومع تنامي قوة تركيا الاقتصادية والعسكرية بين الدول الأورپية على الرغم من الضغط الاقتصادي الذي تمارسه أمريكا عليها ، فإن هناك انفتاحاً بعد العداء من قبل كبريات الدول الأوربية تجاه تركيا على اعتبارها مرتكزاً اقتصادياً مهماً في أورپا ، وبديلاً ناجعاً عن الامپريالية الأمريكية المتهالكة والضاغطة على أوربا بسبب نزقية ترامب .ه
من هنا ، تركيا تعمل - ومع كل الظروف الدولية المحيطة بها والتغير المتطور في سياسات العالم بالضد من أمريكا والكيان الصهيوني - على تعميق الخناق على أمريكا في وجود ترامب ، وإرباك الكيان الصهيوني وجعله أمام الأمر الواقع بقوة تركيا الإقليمية والدولية ، ووجودها في سورية ودعمها لثورتها يؤكد ذلك .ه
خامساً ) عقدة أورپا
عكست زيارة ملكة بلجيكا " ماتيلد " تحولاً في المقاربة الأوروبية تجاه تركيا ، حيث تقدمت اعتبارات الأمن ، الدفاع ، الطاقة ، والتجارة كأولويات في العلاقات الثنائية ، وقد يشير ذلك إلى مقدمات أوربية لحالة طلاق بينها وبين أمريكا وربيبتها ( إسرائيل ) ، بل .. وقد يكون ذلك - زيارة ملكة بلجيكا إلى تركيا - خطوة فعلية على طريق إعادة تجميع والنهوض بالقوة الأوربية للتصدي إلى محاولات أمريكا برئيسها ترامب في تحجيم دورها المحوري الدولي ، وتهديده باحتلال جزيرة جرينلاند الدانماركية .ه
هنا ، لابد من الإشارة إلى حالة البرود في العلاقات البريطانية - الأمريكية ، بعد قرون من الغزل التوافقي بينهما ، ولربما يكون السبب الأقوى في ذلك هو تهديد أمريكا لكندا ، على اعتبار أن كندا واحدة من دول الكومونولث والتي تعترف بأن رئيسها هو ملك بريطانيا " تشارلز الثالث " .ه
حلف الناتو مهدد فعلياً بالتفكك ، وإذا ما حصل ذلك ، فهو يعني عزلة أمريكا وتعريها بالتمام ، وإذكاء انهيارها الذي قد يدفعها إلى التخلي عن دعم الكيان الصهيوني ، أو قد تدفع ب( ترامب ) إلى حماقات انتحارية مضافة تعجل من نهايته التي بدورها ستعجل من دفن استراتيجيات أمريكا إلى الأبد .ه
سادساً ) عقدة إيران
بعدما سلم " أوباما " العراق إلى إيران ، قامت إيران بتثبيت مرتكزات هيمنتها المطلقة على العراق ، وهذا الحال أزعج ترامب المتطلع إلى الاستحواذ على كامل ثروات العراقية النفطية ، ويرى في عودة أمريكا للهيمنة على العراق أقوى مفاتيح تحقيق أكذوبة الشرق أوسط الجديد ، من حيث أن حقيقة هذه الأكذوبة هي إقامة دولة ( إسرائيل ) الكبرى .ه
من جهة أخرى ، فإن إيران تسعى لتثبيت هيمنتها على العراق بعد جهد جهيد استمر منذ احتلال العراق في ( ٢٠٠٣ ) ، وأثمر في سنة ( ٢٠١٤ ) .ه
لقد توعد ترامب إيران - قبل الحرب الأخيرة بينهما - بإزالة نظامها ، لكنه وقع في فخ مهلك ، عندما لف الحبل حول رقبته ، من حيث أنه لا يمتلك على الأرض بديلاً عن نظام الملالي في قم وطهران ، ذلك .. لأن البديلين " رجوي " و" بهلوي " علمانيين قوميين لا يملكان من فنون الفتنة الطائفية شيء كما هو حال نظام الملالي ، مضاف إلى ذلك .. ليس في قدرة أمريكا الدخول في حرب برية شاملة بعد الدرس التي تلقته وآلتها الحربية على يد رجال المقاومة العراقية البطلة .ه
لقد فشل ترامب في استقدام إيران لإملاء شروطه عليها وهي مهزومة من حيث تهديد نظامها بالفناء ، وهذا لم يتحقق ، مما أدى إلى انكشاف مؤخرته للعالم عموماً وللشعب الأمريكي خصوصاً ، ويلاحظ تخبطه في الآونة الأخيرة ، وترنحه ما بين التهديد والرجوع عن التهديد ، وهو ما جعله يعمل على الذهاب مع إيران إلى ذات التوافقات التي كانت قائمة قبل حرب الخمسين يوماً ، ونحن نرى أن هذه الحرب وعلى الرغم من تبادل الضربات الفعلية ، لكن .. نتائجها تشير إلى توافقات بينية لتقاسم الهيمنة على العراق ، وقد تكون بنسب متفاوتة بينهما ، ودليل ذلك .. ما فرضته حكومة الاحتلال العميلة المجرمة من رئيس لها وبالرغم من رفض ترامب لأي مرشح عما يسمى بالإطار التنسيقي .ه
إن تواجد قاعدتين عسكريتين ( إسرائيليتين ) في صحراء محافظتي النجف وكربلاء يؤكد المراد من هذه الحرب الهزلية .ه
فعلى الرغم من أن ظاهر هذه الحرب توحي لا خاسر ولا رابح فيها ، لكنه يضيف حبلاً آخر على رقبة الثور الهائج ، لا نعلم متى يُشد فتكتمل حلقات الخناق . ه
سابعاً ) عقدة الصين ( التنين الهائج )
لعل زيارة رئيس وزراء كندا للصين وحجم الاتفاقيات التي أبرمها كانت من أشد الحبال ضغطاً على رقبة ترامب ، مضاف إلى ذلك مساندة الصين لإيران وتعاونها الغير معلن في تصديها للهجمة الأمريكية عليها ، قد دفع ب( ترامب ) صاغراً الذهاب إلى الصين عساها تخفف من شدة الحبال الملفوفة على رقبته .ه
ذهب بحذر شديد من أن يناله فيروساً صينياً ، السيارات المدرعة الخاصة بموكبه وصلت قبله إلى الصين ، ممنوع لمس أياً من أشيائه من قبل موظفي الضيافة الصينيين ، حتى أطباقه وملاعقه .ه
أرأيتم الذل على وجه ترامب تقابله ابتسامة السخرية من الرئيس الصيني الذي لم يكلف نفسه ويهرول لاستقبال ترامب في المطار ، وأرسل له نائبه " هان تشنغ " .ه
المتدبر لحديث الرئيسين سيتبين له لغة التوسل والتملق التي استخدمها ترامب ، ولغة الناصح وملقن الدرس التي استخدمها الرئيس الصيني .ه
إن ذهاب ترامب إلى الصين جاءت في محاولة منه تحييد الصين التي صارت محط أنظار العالم وكل من يريد الخروج من الطاعة لأمريكا ، لكن .. من الواضح أن التنين قد لسعه بشيء من النار ، بل حبل من نار لف على رقبته . ه
ثامناً ) العقدة المنتظرة ( الموقف العربي المتقدم )
عموم دول العالم صار يستغل ترنح أمريكا ليعيد حساباته نحو الاستقلال الكامل عن هيمنة الامبريالية الأمريكية ، باستثناء حكام ( العرب ) .ه
الحبل العربي إذا لف على رقبة ترامب ، فإنه الكفيل أن يطرحه أرضاً ، ويكفي ثلاث دول عربية تلتقي في حلف دفاع مشترك فاعل ويقفوا بوجه أمريكا ، ويقولوا ( لا ) وكفى ، كتلك التي قالها القائد الشهيد صدام حسين المجيد ، فإنها بالتأكيد ستكون بمثابة إطلاقة الرحمة ( وبلا رحمة ) على رأس الثور الهائج أو المطروح ، فتعم معاني وروح الإنسانية في العالم ، وتُسترد حقوق شعوب العالم المنهوبة من قبل أمريكا والكيان الصهيوني .ه