العامل التكويني في العمل السري
صلاح المختار
العمل السري ليس مجرد وسيلة أمنية لحماية الحركة الثورية وكوادرها ، بل هو أيضاً عامل من عوامل تكوين وتثبيت مبادئ عمل هذه الحركة ، فالعمل السري يدرّب ويربّي على فكرة التخفي من أجل أن يبقى الكادر حراً ويواصل النضال من أجل تحقيق أهداف الحزب ، ولكن التخفي بحد ذاته مكون لميزات لا غنى للعمل الثوري عنها ، لأنه يفرض على المناضل أنماطاً من السلوك والانضباط تتحول ، مع مرور الزمن والممارسة ، إلى جزء من شخصيته الحزبية .
من هنا ، فإن السرية ليست مجرد إجراء أمني تفرضه ظروف معينة ، وإنما هي عامل بنائي يسهم في تكوين الحزب نفسه ، وفي علاقات أعضائه بعضهم ببعض ، وفي طبيعة القيادة وطريقة اتخاذ القرار. وأبرز ما تبلوره السرية من ميزات هو ما يأتي :
1- القيادة الجماعية والابتعاد عن النزعات الفردية بمختلف أشكالها ، فحينما لا تعرف أسماء القادة ، وبالتالي لا تذكر ، ويترسخ ذلك كتقليد ثابت ، تضعف النزعات الفردية وتصبح تدريجياً من المكروهات النضالية ، وهذا شرط جوهري في العمل النضالي ، لأن الفرد ، مهما كان عبقرياً ومجرّباً ويتمتع بميزات فريدة ،فإنه يبقى ناقص القدرات والوعي ، وهكذا تبلورت واحدة من أهم حقائق التاريخ وهي أن كل إنسان ناقص وخطّاء .
إن ضمان نجاح قيادة التنظيم الثوري وعدم انحرافها عن المسار العقائدي والاستراتيجي معاً مرهون بوجود قيادة جماعية يُكمل كل عضو فيها مزايا بقية الأعضاء .
والأهم ، أن وجود قيادة جماعية هو الضامن الأعظم للحد من طغيان الدوافع الشخصية والأنانية على القرار الحزبي ، وهكذا تصبح قيادة العمل متكاملة الأركان بوعيها وتجربتها وتعدد قدراتها ، وجاهزة للعمل الصحيح بأقل الاخطاء .
إن العمل السري ،بحكم منعه المجاهرة بأسماء القادة ، يحد من المباهاة بالمستوى القيادي وغيرها من مظاهر النزعة الفردية ، كما أنه يقطع الطريق على الإشاعات التي تُطلق لمعرفة أسماء القادة الحقيقيين .
ولكن المسألة تتجاوز ذلك إلى نتيجة تنظيمية أعمق ، وهي الحيلولة دون تكوين مراكز قوة شخصية داخل الحزب ، فعندما تصبح أسماء القادة ومواقعهم وعلاقاتهم موضوعاً للتداول والمباهاة ، قد تنشأ حول بعض الأشخاص دوائر من العلاقات والولاءات الخاصة ، ويتحول الولاء من العقيدة والتنظيم والمؤسسات إلى الأشخاص .
أما حين تكون القيادة جماعية ، وتبقى المواقع القيادية بعيدة عن الاستعراض الشخصي ، فإن العضو يتعلم أن علاقته هي بالحزب وعقيدته ونظامه الداخلي ومؤسساته وقراراته ، لا بهذا القائد أو ذاك ، وبذلك تصبح السرية إحدى الوسائل التي تساعد على حماية القيادة الجماعية نفسها من التحول إلى قيادة أفراد تحيط بهم دوائر شخصية من الأنصار والموالين .
2- السرية مدرسة للكتمان والانضباط وحفظ الأسرار :
إن العمل السري يدرّب الكادر والأعضاء العاديين على الكتمان وحفظ الأسرار ، وتتطور هذه العادة مع الممارسة إلى قاعدة ثابتة في العمل ، وبذلك يُبعد الحزب عن الثرثرة وكشف المعلومات التي يعرفها العضو بصورة طبيعية ، أو تسرّبت إليه بهذه الطريقة أو تلك ، فإذا حصل شيء من ذلك ، فإن واجب العضو هو منع نشر هذه المعلومات ، ويحاسب الحزب من ينشرها .
ولا تقتصر أهمية ذلك على حماية المعلومة نفسها ، بل إن السرية تصبح اختباراً يومياً للانضباط الحزبي ، فالمناضل قد يعرف معلومة يستطيع أن ينقلها إلى أقرب الناس إليه ، ولكنه يمتنع عن ذلك لأن حق معرفة المعلومة لا تحدده الصداقة أو القرابة أو الفضول ، وإنما تحدده الضرورة التنظيمية فقط .
من هنا تنشأ قاعدة أساسية في العمل السري ، وهي أن المعلومة تكون بقدر الحاجة إليها ولمن يجب ان يعرفها فقط ، فليس من حق العضو أن يعرف كل شيء لمجرد أنه عضو في الحزب ، وإنما يعرف ما يحتاج إليه لأداء مهمته ، وإذا عرف بحكم المصادفة أو لأي سبب آخر ، ما يتجاوز حدود مهمته ، فإنه يحتفظ به ولا يحوله إلى موضوع للتداول .
وهذه القاعدة تخلق وظيفة تربوية عميقة ، لأنها تنقل العضو من ثقافة الفضول الشخصي إلى ثقافة المسؤولية ، ومن السؤال :
« ماذا أعرف ؟ » إلى السؤال : « ماذا أحتاج إلى أن أعرف لكي أؤدي واجبي ؟ » .
وبذلك يصبح حفظ السر جزءاً من مفهوم الانضباط نفسه ، وليس مجرد احتياط أمني ، وهذه بحد ذاتها ضمانة من ضمانات بقاء الحزب وعدم تعريض مناضليه لمواجهة الأدلة والاعترافات إذا اعتُقلوا وأُجري التحقيق معهم ، فكلما كان تداول المعلومات محدوداً ومنضبطاً ، تقل المعلومات التي يمكن أن تنتشر خارج نطاقها المقصود ، وتقل معها الأخطار التي يتعرض لها التنظيم وأعضاؤه ، وتلك من بين أهم متطلبات العمل الثوري ، لأن وجود الكادر خارج السجن هو أحد أهم شروط مواصلة النضال وتنفيذ خطط الحزب الثوري .
3- السرية في مواجهة ثقافة الاستعراض:
تزداد أهمية هذه القاعدة في عصر وسائل التواصل الاعلامي ( وليس الاجتماعي) ، الذي أحدث تحولاً هائلاً في السلوك الإنساني ، وجعل الإعلان عن الذات والصور والمواقع والعلاقات والإنجازات جزءاً من الحياة اليومية لملايين البشر ، وأصبح الإنسان يتلقى باستمرار حوافز تدفعه إلى إخبار الآخرين بما يفعل ، وأين يوجد ، ومن يعرف ، وما موقعه ، وما الإنجاز الذي حققه ! .
وهذه الثقافة تتناقض جذرياً مع ثقافة العمل السري ، فالعمل السري يتطلب تربية معاكسة تماماً :
أن يعمل المناضل من دون أن يشعر بالحاجة إلى إعلان أنه يعمل ، وأن ينجز من دون أن يطالب الآخرين بمعرفة ما أنجز ، وأن يتحمل المسؤولية من دون أن يجعل موقعه الحزبي مصدراً للمكانة الاجتماعية أو الشخصية .
وهنا ، يصبح العمل السري أكثر من مجرد وسيلة للحماية ، إذ يتحول إلى عملية تربوية مستمرة لمقاومة النزعة إلى الاستعراض والمباهاة ، وإلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعمل الذي يؤديه ، فالقيمة في العمل الثوري ليست في أن يعرف الآخرون من قام بالعمل ، وإنما في أن يتحقق الهدف الذي قام العمل من أجله .
4- تجربة الحزب بين الحكم والعودة إلى العمل السري :
هنا تظهر الأهمية الفائقة للعمل السري التي أقرها المؤتمر القومي الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي عقد في تموز من هذا العام ، فهي عودة إلى الأصل ، فالنضال في الحركات الثورية ، قبل استلام الحكم ، يجب أن يبقى سرياً بأقصى درجة ممكنة في ظل أنظمة دكتاتورية فاشية لا ترحم ، ولكن الذي حصل في حزب البعث العربي الاشتراكي هو أن استلامه الحكم لمدة خمسة وثلاثين عاماً أفقده ، بالتدريج ، كثيراً من تقاليد العمل السري ، خصوصاً أن الأجيال الجديدة التي انتمت إلى الحزب ، وبلغ عدد أعضائها نحو خمسة ملايين حزبي ، لم تعرف معنى النضال السري وضروراته ومخاطر الكشف عن المعلومات الحزبية ، فالأجهزة الأمنية تبعد المخاطر عن الرفاق ، ولذلك كان الكشف الحزبي يبدو سهلاً وغير مضر .
ولكن بعد الاحتلال كان يجب أن يُعاد النظر جذرياً في هذا الموضوع ، وأن يعود الحزب فوراً إلى العمل السري ، ليس بالقول فقط ، بل بتطبيق قواعد ومتطلبات العمل السري .
وهذا ، مع الأسف الشديد ، لم يحصل إلا جزئياً ، وبقي رفاق لا يترددون في الإعلان عن مواقعهم الحزبية حتى وهم داخل العراق ، دون أن يفكروا في العواقب البعيدة لذلك ! ، وقد أدى هذا السلوك إلى نتائج مؤلمة ، إذ قادت الثرثرة والمباهاة بالموقع الحزبي إلى كشف معلومات ، ثم إلى اعتقالات ، وهو واقع مرير ألحق بالحزب خسائر فادحة .
وانطلاقاً من هذه التجربة ، درس المؤتمر القومي الاستثنائي للحزب هذه الظاهرة بعمق ، وتوصل إلى قناعة تامة بأن العودة إلى التنظيم السري ، من أعلى قيادة إلى أدنى مستوى تنظيمي ، هي أحد أهم ثوابت التنظيم الثوري التي لا غنى عنها ، وهي لا تسهم في حماية الجهاز الحزبي فحسب ، بل تسهم أيضاً في إعادة تدريبه على القيادة الجماعية وتجنب التحدث عن قادة أفراد وكأنهم هم من يقودون الحزب ، في حين أن الحزب يجب أن تقوده قيادة جماعية .
كما أن السرية تسهم في حماية استقلال القرار الحزبي ، فكلما بقيت البنية الداخلية بعيدة عن الانكشاف ، قلت قدرة الأطراف المعادية على ممارسة الضغوط الشخصية على أفراد بعينهم أو محاولة التأثير في القرار الحزبي من خلال الأشخاص بدلاً من المؤسسات .
5- السرية لا تعني غياب المساءلة :
غير أن هذه الحقيقة تقتضي التمييز بوضوح بين السرية التنظيمية وغياب المساءلة داخل الحزب ، فالسرية ليست فضيلة مطلقة قائمة بذاتها ، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة والظروف التي يعمل فيها الحزب ، ولا يجوز أن تتحول إلى ذريعة تعفي القيادة او أي مسؤول من المحاسبة .
فالقيادة يمكن أن تكون سرية تجاه الخارج ، ولكنها تبقى خاضعة في الداخل للنظام الداخلي وللمؤسسات الحزبية المخولة وللنقد والنقد الذاتي والمحاسبة .
والسرية المقصودة ، اذن ، هي سرية الموقع والمعلومة تجاه من لا تقتضي مهمته معرفتهما ، وليست سرية القرار عن المؤسسات المخولة بمناقشته ومحاسبة المسؤولين عنه .
وهذه مسألة جوهرية ، لأن السرية إذا انفصلت عن القيادة الجماعية والمساءلة قد تنقلب إلى نقيض الغرض الذي أُنشئت من أجله ، وقد توفر غطاءً للفردية بدلاً من أن تحد منها ، ولذلك فإن الضمانة الحقيقية تكمن في الجمع بين السرية تجاه الخصم ، والقيادة الجماعية والمساءلة داخل الحزب .
وهنا يكتمل المعنى البنائي للعمل السري : فالحزب لا يخفي قياداته لكي يمنحها سلطة بلا رقابة ، وإنما لكي يحميها من الانكشاف الخارجي ، بينما تبقى في الداخل جزءاً من مؤسسة جماعية محكومة بالعقيدة والنظام الداخلي والقرارات والمؤسسات المختصة .
6- العودة إلى الأصل :
وما سبق ذكره هو أحد أهم قواعد العمل الحزبي الكلاسيكية التي سبقت استلام الحكم ، وعاد إليها الحزب بعد المؤتمر القومي الاستثنائي بكل قوة وثبات .
ولهذا لم يُكشف عن أي اسم من أسماء القياديين الجدد الذين تم انتخابهم قطرياً وقومياً ، باستثناء الممثل الرسمي للحزب ، باعتبار أن هذا الممثل هو الذي يخاطب الإعلام ، وهو الذي يجري الاتصالات بالأطراف الأخرى مكلّفاً من الحزب ، وخاضعاً لكافة الضوابط ، والأهم أنه ليس ضرورياً أن يكون عضو قيادة قومية أو قطرية .
ينبغي أن يتعلم العضو ألا يسأل عما لا يدخل في نطاق مسؤوليته ، وألا يجيب عن سؤال يتعلق بمعلومة ليس من حق السائل معرفتها ، بصرف النظر عن طبيعة العلاقة الشخصية التي تربطه به .
إن السرية بهذا المعنى ليست مجرد وسيلة لحماية التنظيم من خصومه ، وإنما هي مدرسة تنظيمية وتربوية تكرّس القيادة الجماعية ، وتحد من النزعات الفردية ومراكز القوة الشخصية ، وتدرّب المناضل على الانضباط والكتمان وتحمل المسؤولية ، وتفصل بين أداء الواجب وبين الرغبة في الشهرة والاستعراض .
والسرية ، في الوقت نفسه ، لا تلغي الديمقراطية الداخلية ولا النقد والنقد الذاتي ولا المحاسبة ، وإنما ينبغي أن تعمل معها في إطار واحد :
سرية تحمي الحزب من الخارج ، وقيادة جماعية ومساءلة تحميانه من الداخل .
وبذلك تصبح سرية العمل جزءاً من البناء الداخلي للحزب الثوري ، وليست مجرد إجراء أمني تفرضه الظروف ، لأنها لا تحمي التنظيم القائم فحسب ، بل تسهم أيضاً في بناء نوع المناضل ونوع القيادة ونوع العلاقات التنظيمية التي يحتاج إليها الحزب لكي يبقى حزباً مؤسسياً تقوده العقيدة والنظام والمؤسسات ، لا الأشخاص والنزعات الفردية .
9-9-2026