افتتاحية العدد 186 في 22 تموز 2026

Published on 12 September 2026 at 17:50

عندما يتخشب العملاق الأمريكي ، فتلك نهايته

قد يبدو ما يجري بين إيران وأميركا بشكل عام ، ومع نغول إيران في العراق بشكل خاص غامضاً أو محيراً ، لكن نظرة متأنية تفضي إلى ملاحظة عدة ظواهر تلفت النظر ، فرغم الإعلان في واشنطن وبغداد ، بعد زيارة " علي الزيدي " إلى واشنطن ، بأن نهاية شهر سبتمبر / أيلول ستشهد تجريد الميليشيات كلها من السلاح واحتكار الدولة له ، ولكن في الأيام الأخيرة تغيرت تفسيرات الحكومة ،حيث قالت أن نهاية أيلول سبتمبر لتسليم السلاح لا يقصد بها تسليم أسلحة الميليشيات بل مغادرة القوات الأمريكية العراق ! .

وتأتي هذه التغييرات في أعقاب زيارة " إسماعيل قاأني " ، قائد الحرس الثوري الإيراني ، لبغداد وإبلاغه علي الزيدي بأن تسليم السلاح خط أحمر ، وأن دخول منطقة جرف الصخر خط أحمر ! ، وتكرر التهديد الإيراني هذه المرة بواسطة رئيس البرلمان الإيراني الذي زار بغداد .

أمام هذه الصورة يطرح السؤال التالي : لماذا لا تحسم أمريكا الأوضاع في العراق بالقوة ، وهي قادرة على ذلك دون أدنى شك ، وتلجأ بدلاً عنه إلى الغموض وترك الأمور تجري بلا مؤشرات حاسمة ، مما يزيد الارتباك وتناقض الفهم ؟ .

إن السبب الذي يجعل أمريكا لا تقدم على الحسم العسكري يعود أساساً إلى ما يسمى ( عقدة العراق ) والتي تكونت في الأشهر الأولى لغزوه من قبل أمريكا ، حيث برزت المقاومة العراقية منذ الساعات الأولى لدخول قوات الغزو لجنوب العراق ، وتصاعدت بصورة فريدة غير مسبوقة ، حيث نزل الآلاف إلى ميادين القتال ابتداء من أم قصر في جنوب العراق وصولاً إلى بغداد حيث سيطرت المقاومة العراقية ميدانياً .

وهكذا أسقطت الفرضية التي كانت تروج من قبل قادة أميركا قبل غزو العراق ، خصوصاً من قبل مجرم الحرب " دونالد رامزفيلد " وزير الحرب الأمريكي آنذاك ، وهي أن الشعب العراقي سيستقبل الغزاة بالورود والرز ، ولكن الذي حصل كان عكس ذلك تماماً ، فقد كان في استقبالهم الرصاص في كل مكان وصلوا إليه ، كما وصف ذلك القائد الشهيد " طارق عزيز " .

وبالنظر للعدد الهائل من الخسائر الأمريكية البشرية ، حيث بلغ عدد القتلى الأمريكيين ( 75,000 ) قتيل وليس ( 4000 ) قتيل كما أعلن رسمياً ، والمادية التي بلغت ثلاثة تريليون دولار كما أعلن " ترامب " شخصياً ، فقد أجبرت أمريكا على الاقتناع خصوصاً قادتها العسكريون بأن كسب الحرب مستحيل في ظل وجود هذه المقاومة الباسلة .

إن هذه الخلفية تفسر ما حصل بعد غزو العراق لأمريكا حيث أنها ، وبتراكم عقدة فيتنام مع عقدة العراق ، أصبح هناك عائق جوهري يمنع أميركا من دخول الحروب البرية الطويلة ، وليس القيام بعمليات مؤقتة وسريعة ، فالجيش الأمريكي معنوياته منخفضة جداً مثل الجيش الإسرائيلي ، رغم التفوق التكنولوجي والعسكري والمادي الهائل ، ولهذا فأن الجيش الأمريكي غير قادر على كسب المعارك البرية .

وهذه الحقيقة هي التي تفسر لِمَ لجأت إدارة ترامب إلى أسلوب التحريض في كل الجبهات على قيام أطراف عربية بخوض الحرب مع إيران وليس القوات الأمريكية ، ففي العراق مضت سنوات وإدارة ترامب تحرض على حل الميليشيات بواسطة قوات من العراق ولم تفكر بالتدخل المباشر لحسم هذا الموضوع المهم ، وكذلك في اليمن تطلب من السلطة الشرعية في اليمن حسم الصراع ، وفي لبنان كذلك تطلب من الجيش اللبناني حل حزب الله بالقوة ، ومع إيران تطلب من دول الخليج العربي خوض الحرب مباشرة ضد إيران ، ثم تطلب من دول العالم كله دخول الحرب لفتح مضيق هرمز ! .

وهكذا نرى أن العقدة الأساسية التي تمنع أمريكا من حسم الصراعات العسكرية ، هي الافتقار الجوهري للمعنويات في الجيش الأمريكي وعدم القدرة على تغطية تكاليف الحرب المادية والبشرية ، ناهيك عن وجود معارضة داخلية قوية للحروب .

فماذا يعني ذلك ؟ ، هل يعني أن أمريكا انتهت عسكرياً ؟ ، الجواب كلا ، ولكنها أصبحت عملاق عسكري عاجز عن استثمار عملقته لافتقاره إلى أهم عوامل خوض الحروب ، وهو المعنويات القوية .

ولو وضعنا هذه الحالة في سياقها التاريخي سنجد أنها واحد من أكبر وأوضح المؤشرات على تداعي الإمبراطوريات الكبرى بطريقة لا يمكن منعها وتغيرها نهائياً .

أمريكا عملاق شاخ رأسه وأخذ يشخ من بين ساقيه ، تماماً كما هو حال " بايدن " وبعده ترامب ، ولهذا فإن التكتيك الأهم الذي تتبعه أميركا هو استخدام قدرتها التكتيكية الفعالة في توجيه ضربات قوية مدعومة بأرقى أنواع التكنولوجيا لأجل إبقاء صورتها كقوة رادعة ومتفوقة .

ولكن العالم كله اكتشف أن هذا العملاق تخشب ، ولم تعد مفاصل جسده مرنة وتسمح له بالحركة في صراعات لا ينتصر فيها إلا الأنشط في حركته ومبادراته ، أمريكا شاخت وفقدت مرونة الحركة ودخلت في طور النهاية الحتمية .

 

هيئة تحرير البعث

Add comment

Comments

There are no comments yet.