انتصر الحوثييون بضعف خصومهم - العدد 189

Published on 15 September 2026 at 01:02

أنتصر الحوثيون بضعف خصومهم !

افتتاحية جريدة البعث العدد 189 في 12-9-2026

سيطرة ميليشيا الحوثي على باب المندب ، أعاد طرح سؤال قديم بصورة أكثر حدة :

كيف تمكن الحوثيون ، وهم قوة محدودة الموارد قياساً بما تمتلكه السعودية ودول الخليج وقوى الشرعية اليمنية ، من تحقيق تقدم عسكري بهذا الحجم ؟ .

إن ما جرى ينبغي وضعه في الإطار الصحيح أولاً ، فالقوات المناهضة للحوثيين كانت تعاني من تعدد القيادات والولاءات الخارجية والأهداف والفساد المالي ، وهو اللعنة التي تنقلها دول الخليج إلى أي مكان تحاول زرع النفوذ فيه ! ، وكثير من قيادات الشرعية اليمنية تدير الحرب من خارج اليمن ! ، فيما يوجد المقاتلون التابعون لها على الأرض في ظروف مختلفة تماماً ، ولذلك فإن الهزيمة كانت متوقعة .

أما الحوثيون فهم قوة موحدة ، تخضع لمركز قيادي واحد ، تشدها قوة الطائفية والولاء المطلق لإيران ، فهم معبئون معنوياً لأقصى درجة ، ومركزهم القيادي واحد وأوامرهم واحدة ، ولذلك يقاتلون بصلابة .

ومع ذلك تبقى أسئلة الانسحاب من ( المخا ) و( ميون ) ضرورية ، فهناك معلومات تتحدث عن قرارات انسحاب مفاجئة وعن تدخلات إقليمية وتأثيرات دولية ، وضغوط أو تفاهمات لم تتضح طبيعتها بعد ، وهناك من يطرح احتمال وجود حسابات إسرائيلية تتعلق بمن يسيطر على باب المندب ، وهناك من يربط التطورات بصراع النفوذ السعودي - الإماراتي ، وهناك معلومة عن موقف أمريكي ساعد الحوثيين الهدف منه إكمال صفقة أمريكية إيرانية .

باختصار :

إن الخلل الجوهري ليس في صنعاء بل في الرياض وأبو ظبي ، وخلل صنعاء امتداد لخلل الرياض وأبو ظبي .

في ضوء ما تقدم ، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط : كيف انتصر الحوثيون ؟ ، بل يجب أن يكون أيضاً : لماذا كانت السعودية والإمارات ومن معهما بهذا الضعف رغم كل ما يمتلكوه من تفوق مادي وعسكري ؟ .

إن أخطر ما تكشفه التجربة اليمنية هو أن المال يستطيع شراء السلاح لكنه لا يستطيع شراء أهم عوامل النصر وهي الإرادة القتالية ، وهي مرهونة بوجود المعنويات ، فالمال يمكنه تمويل الجيوش لكنه لا يستطيع وحده خلق العقيدة العسكرية ، ويمكنه استقدام المستشارين ولكنه لا يستطيع صنع الخبرة الاستراتيجية الذاتية ، فالثروة ليست ( مصباح علاء الدين السحري ) ! ، وهنا تظهر نقطة جوهرية كشفتها صراعات العقود الأخيرة ، وحالة دول الخليج العربي فيها وأثناءها ، وهي أن المال لا يصنع وحده قوة عسكرية ، اذ يمكن لدولة تمتلك مليارات الدولارات أن تشتري أحدث الأسلحة والمعدات الحديثة ، وأن تستخدم المدربين والمستشارين من مختلف دول العالم ، ولكن ما لا تستطيع شراءه هو الروح المعنوية والاستعداد لتحمل الخسائر والثقة بالقيادة .

إن المقارنة بين دول الخليج وباكستان ، ونحن لا نريد المقارنة مع دول أغنى وأكثر تقدماً من باكستان ، تكشف جانباً من هذه المفارقة ، فباكستان ، دولة تعتمد على الدعم السعودي وتعاني من الفساد وأزمات اقتصادية مزمنة ، لكنها بنت جيشاً حقيقياً له عقيدة ومؤسسة قيادة وخبرة قتالية وصناعة عسكرية وتقاليد مهنية متراكمة ، لأنها لم تتعرض للخراب الذي تحدثه الرفاهية المفرطة مثل تجريد للإنسان من أهم عوامل القوة وهو المعنويات وفرعها وهو قوة الإرادة ، فامتلاك الثروة وحده إذن لا يؤدي تلقائياً إلى امتلاك القوة .

إن الحرب لا تقودها الأسلحة ، بل من يستخدمها ، فإذا كان الجندي مترفاً مادياً طوال حياته فأنه يخشى الموت وبالتالي تتلاشى ميزات تفوقه المادي والعسكري في ساحة القتال ، وهذه حال كثير من جيوش الخليج العربي مع الاسف ، لأن المعنويات هي مقرر نتيجة الحروب ، وهذه المعادلة تفسر جانباً مهماً من الحرب اليمنية ، فالحوثيون سلاحهم الأقوى قدرتهم المعنوية ، وهم عقائديون مذهبياً ، وهذا هو مصدر تفوقهم القتالي على الجيوش الخليجية وعلى خصومهم في اليمن ، ولا يقتصر الخلل على الجندي ، بل يشمل القيادة السياسية نفسها ، فعندما تتنقل السياسة بين الحرب والتهدئة والتفاوض والهدنة ، وعندما يتحول العدو خلال سنوات قليلة إلى طرف يجري التفاوض معه حول مستقبل البلاد، فإن هذا الاضطراب بل ينتقل إلى القيادة الاعلى والضابط والجندي وإلى القوى المحلية المتحالفة ، وهذه السياسة أنتجت مفارقة خطيرة : فكلما ازداد التردد السعودي في العودة إلى المواجهة ، شعر الحوثيون بدرجة أكبر من الحرية في التحرك ، وكلما ظهر أن الرياض غير مستعدة لتحمل كلفة حرب طويلة ، ازداد اعتمادها على القوى اليمنية المحلية وعلى الغطاء الأمريكي ! ، وعندما تبين أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للتدخل المباشر دفاعاً عن حلفائها ، انكشف جانب من هشاشة المنظومة التي قامت على افتراض أن القوة الأمريكية ستكون حاضرة دائماً عند اللحظة الحاسمة .

إن الثروة الهائلة أنتجت مستوى مرتفعاً من الرفاه أزال كثيراً من عوامل الاستعداد للتضحية ، وأضعف إمكانية بلورة تقاليد عسكرية تتناسب مع حجم الأخطار المحيطة بالمنطقة ، ولا يعني ذلك أن الجندي الخليجي يفتقر إلى الشجاعة ، لكن المشكلة بنيوية أكثر منها فردية :

هل يستطيع مجتمع الرفاهية تحويل جزء من ثروته إلى مؤسسة قتالية متماسكة تعالج مشكلة ضعف المعنويات في مجتمع مرفه لم يتعود على القتال ؟ ، وهل أن الاعتماد يظل في النهاية على الحماية الخارجية ؟ ، وهنا تكمن المفارقة الكبرى : الأموال التي أنفقت خلال عقود على شراء أحدث الأسلحة وعلى التحالفات الخارجية هائلة ، لكن السؤال يبقى : كم منها تحول فعلاً إلى قدرة عسكرية مستقلة ؟ ، فالسلاح الذي يحتاج عند كل أزمة كبيرة إلى كثير من الخبراء الأجانب لإدارته ، وإلى غطاء استخباري أجنبي ، وإلى قرار سياسي خارجي قبل استخدامه ، لا يمنح صاحبه الاستقلال الاستراتيجي نفسه الذي تمنحه مؤسسة عسكرية تعتمد على ذاتها ، حتى لو كانت ميليشيا . وهذا لا يعني أن الحوثيين قوة لا تُهزم ، فالحديث عن صلابتهم لا ينبغي أن يتحول إلى صناعة أسطورة جديدة حولهم ، فهذا غير صحيح تماماً ، لديهم بدورهم نقاط ضعف كثيرة أدت إلى هزائمهم سابقاً ، ولكنهم يتميزون عن خصمهم بأنهم ينفذون أمر جهة واحدة هي إيران ، ويقاتلون بدافع طائفي قوي .

وبالتالي ، فإن المقارنة لا تكون بين الحوثيين كقوة مثالية وبين خصوم سيئين ، وإنما بين بنية أكثر تماسكاً من جهة وبنية أكثر تفككاً من جهة أخرى ، وفي الحروب الطويلة كثيراً ما يحسم التماسك النتيجة قبل أن يحسمها التفوق التقني .

باب المندب لن يكون آخر المفاجآت ، بل قد يكون مجرد مثال جديد على حقيقة أثبتها التاريخ مراراً :

الجيوش لا تنتصر بما تملكه فقط ، وإنما بما تستطيع أن تفعله بما تملك ، وكل هذا رافعته الأساسية المعنويات ..

 

هيئة التحرير