بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ، وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ... صدق الله العظيم .
البعثي .. ومَلَكتةُ الفكرية
جومرد حقي إسماعيل
الملكة الفكرية ، هي الإبداع في التفكر ، ونتاج اللّب ( العقل ) في الإحاطات ، وهي تتأتى وتتنامى تجسيداً من خلال المقومات التالية :
- التفكر في الحوادث وتحليلها .
- الثقافة .
- القراءة .
- الكتابة .
وهذه الفقرات الأربعة – المقومات - تعتبر من أركان الاجتماعات الحزبية في تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي ، وتُمارس في داخل الاجتماع الحزبي كصورة مصغرة لأسلوب العصف الذهني ، حيث يُشارك كل أعضاء المنظمة في تناولها ، فالكل يُشارك في قراءة الأحداث وعرض تنوع الرؤى عند كل عضو في المنظمة ، فتُستجمع الرؤى ويُخلص إلى قراءة جمعية تعطي صورة واضحة للحدث وخفاياه وما ورائه ، وهذا يساعد البعثي على ديمومة التفكر والتحليل ، فلا يكون عرضة للجمود الفكري الذي يعتبر قتل لحيوية البعثي في مسيرته النضالية .
وفي الثقافة ، فإن حزب البعث العربي الاشتراكي ، قد أولى اهتماماً كبيراً في مناهج تثقيف الجهاز الحزبي ، وبما ينسجم مع تقدمه في درجاته الحزبية ، وهي ركن أساسي في جدول أعمال الاجتماع الحزبي ، فيُطرح الموضوع الثقافي المقرر في برامج التثقيف التي تعدها قيادة الحزب ، وهل ينتهي الحال عند طرح الموضوع الثقافي ؟ ، لا .. بل يُطلب من الرفاق في التنظيم كتابة ما تم فهمه من الموضوع الثقافي بصيغة ( تقرير ثقافي ) يُقدم في الاجتماع التالي ، ويُحفظ التقرير الثقافي في إضبارة البعثي ويؤخذ به في التقيمات الحزبية ، وكذلك يُطلب من البعثي التحضير للموضوع الثقافي القادم ، وهذا حثٌّ للبعثي على القراءة والكتابة ، ناهيك عن تشجيع الرفيق الحزبي في التثقيف الذاتي ، وكل ذلك .. يدعم قوة البعثي في استيعاب العقيدة البعثية ، ويدعم بقوة تأسيس ملكة فكرية وأدبية عند البعثي تؤهل قدرته على الكتابة وحضوره الفاعل بين الجماهير كمصدر للإلهام والإشعاع الفكري .. والبعثي ينير الوسط الذي هو فيه بفكره وملكته الأدبية وحًسن الخلق .
هل تخلي البعثي عن مقومات ملكته الفكرية والأدبية حالة صحية وطبيعية على مستوى التنظيم ؟ ، بالتأكيد .. لا ، لأن البعث حزب ثوري جماهيري لا ينفك نضاله من أجل الجماهير التي هي وسيلته وغايته نحو تحقيق أهداف الأمّة في الوحدة والحرية والاشتراكية ، فإذا تراجعت الملكات الفكرية والأدبية في مقوماتها عند البعثي ، تراجعت قدرته في الحضور بين الجماهير ، وهذا بالمجموع يُشكل هُوَّة خطرة بين البعث والجماهير قد تؤثر بالتراكم على مستقبل الحزب ، ولذلك .. حرصت قيادة البعث ومنذ تأسيسه على إعطاء برامج التثقيف الحزبي والذاتي أهمية استثنائية في بناء الشخصية البعثية ، لما لها من الأثر الفاعل في تمتين علاقة البعث بالجماهير ، وكفالة النهوض والتقدم والديمومة على طريق الأهداف والنضال المتصاعد في الدفاع عن مصالح الأمّة وقضاياها المصيرية .
وفي هذا السياق ، فقد أكد الحزب على أن التقرير الثقافي ليس خلاصات ما قرأ ، بل هو تعبير عما فهمه واستلهمه واستنبطه من قراءته للموضوع الثقافي ، سواء كان كتاب أو كراس ( كُتيّب ) أو منشور أو مقال ، ذلك .. لأن المبدأ هو أن الموضوع الثقافي لا يُختزل في خلاصات ، لأن الخلاصات تُبعض الموضوع وتختزل جهداً مهماً في عصارة الكاتب الفكرية .
وفي السبعينات من القرن الماضي ، كان النشاط الثقافي في أوجِ قوته وفاعليته ، وكانت بحق هي المرحلة الثقافية في حياة البعث ، تجسدت في الاجتماعات الحزبية والندوات الحزبية والجماهيرية والبحوث والدراسات ، حتى أن الكثير من البحوث التي كانت تقدم لنيل الشهادات العليا كانت مضامينها ثقافية عامة أو حزبية متخصصة .
وفي السبعينات ، مورست داخل المنظمة الحزبية أساليب البحث في تحفيز قدرة البعثي على البحث وتتبع المصادر والحقائق ، فكان يُطلب من البعثي – كل ستة أو ثلاثة أشهر – تقديم بحثاً في موضوع معين ، يستعرض فيه مفهومه الاستقرائي واستنباطاته واستلهاماته وخاتمة استدلالاته وآلياته المقترحة في تطبيق بحثه على الواقع .
إذاً ، ما المطلوب من البعثي اليوم كي يُحافظ على حيويته الفكرية ويتجنب مطبات الشيخوخة الفكرية ، المتقدمة والمتأخرة ؟ :
أ ) ديمومة القراءة الحثيثة ، وهذا يُنشط حافظته وحيويته الفكرية فتزيد من قدرة تواجده بين الجماهير .
ب ) الكتابة في تسطير ما في خلجاته الفكرية ونتاجها ليقدم الفائدة المرجوة للجماهير المتعطشة لأدب الفكر القومي الثوري .
في الخمسينات والستينات والسبعينات وحتى تأريخ احتلال العراق في ( 2003 ) من القرن الماضي ، كان البعث يعج بالمفكرين ، والمفكر هنا لا يعني الإتيان بفكر جديد ، بل هو التفنن في إيصال فكر البعث إلى الجماهير بإسلوبه الفلسفي والأدبي البَيِّن في تقريب وتوضيح صورة العقيدة القومية الثورية واستراتيجيتها إلى الجمهور .
اليوم ، نعيش حياة حزبية شحيحة في مفكريها ، وسبب ذلك .. ابتعاد البعثي عن القراءة والكتابة ونتاج العقل في الإحاطات ، وخاصة أولئك الذين لهم تراكم زمني في الحياة الحزبية ، وقد ركنوا واستسلموا لآفة الشيخوخة الفكرية ، والبعض في شباب البعث ذاهب في طريق هذه الشيخوخة المميتة وهو غير مدرك لأخطارها على شخصيته البعثية المتميزة بين الجماهير بالعلم والمعرفة الحيوية والمتجددة مع التطور الزمني لحال المجتمع والمؤثرات الضاغطة فيه .
هنا ، وفيما يتعلق بتأكيدات الانتماء الصميمي في البعث ، فإننا نستند إلى حديث حضرة النبي محمد ، صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، في قوله : (( الإيمان ما استقر في القلب وصدقه العمل )) ، فإيمان البعثي في عقيدة البعث القومية الثورية لا بد من اقترانها بالعمل ، وتصاعد وتيرة العمل دلالة على قوة الإيمان ، ومن العمل .. هو الهمّة في القراءة والكتابة وكل ما يجسد سعي البعثي الحثيث في التثقف ، سواء على مستوى التثقف الحزبي أو الذاتي .
بناء الشخصية البعثية يجب أن تُقام على التميز ، ومن ميزات شخصية البعثي هي الثقافة وملَكَته الفكرية والأدبية .
17 أيلول / سبتمبر 2026