الدرس الخامس : التسليم

Published on 30 September 2026 at 05:24

الدروس الفوائد ...                                               

في استشهاد القائد                                         

الدرس الخامس (  التسليم  )

 

جومرد حقي إسماعيل

التسليم لله تعالى هو من مقومات التوحيد ، حتى أن البعض فسر الإسلام بأنه التسليم لله تعالى ، وتسليم المرء لله تعالى يعني أنه يسقط كل اعتبارات الإرادة الذاتية ويُبقي على إرادة الله تعالى ، وهذا لا يتعارض مع حالة الأخذ بالأسباب والتخيير الذي جعله الله تعالى للبشر في التمييز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، من حيث أن التسليم لله تعالى هو نتيجة موافقة لحال الرضا الذي يستقر العبد فيه ، العبد يختار ما يأكل وما يلبس وما يشرب ، كل ذلك في مرضاة الله تعالى ، لكن الراضي بحكم الله تعالى وأمره ، المسلِّم لله تعالى بالكلية ، لا يكون مأكله وملبسه ومشربه أكبر همه ، وأكبر همه هو حِلُّ كل ذلك ، والتسليم ، إدراك يقيني بسرّ الله تعالى بين الكاف والنون في { كُن فَيَكُون } ، والراضي مرضيٌّ عنه ، والمرضيُّ عنه مقامه الجنة { يَا أيُّهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ ارجِعِى إلى ربِّك راضِيَةً مَرضِيَّة ، فَادخُلِى فِى عِبَادِى ، وادخُلِى جَنَّتِى } ، والراضي المسلِّم لله تعالى ، منقطع عن حوليات الدنيا ومرتبط بالكلية بمسبب الحال ومغير الأحوال ، حاضر بين الناس بالجسد ، منتقل بالروح إلى مالك الملك ، مالك الروح والجسد .

هذا هو التسليم ، بالمعنى البسيط ... وهذا هو قائدنا الشهيد ، فِدا اسمه نفسي وولدي ، وقد رأينا على محياه المبارك قمة معاني التسليم ، وهو يتقدم نحو منصة الشهادة ، وما رأيناه إلا مسلِّماً بأن ما يُعد له فيما يسمونه بالإعدام ، ما هو إلا سبباً ربانياً لينتقل إلى الرفيق الأعلى بأبهى صور الاستشهاد ومعاني السمو الروحي .

انظروا إليه ، انظروا النور في وجهه ، انظروا ابتسامته ، انظروا إلى ملكته لعبارته ، انظروا إلى قلبه في أروع خشوع تجسد في تسليمه لحكم ربه وقضائه ، رأيته في تلك اللحظات التي يتهيأ فيها لمغادرة ظاهر الدنيا ، ورأيت راية الله أكبر خلفه ، ورأيته واقفاً بذاك الشموخ الذي تعودنا دائماً أن نراه فيه ، وكأني أراه يسلم على الملائكة التي جاءت تبارك له وسام الشهادة الكبير ، رأيته ، ولا تتصوروا أني أغالي أو أنسج من وحي الخيال أسطري ، لا ، ورب الكعبة ، رأيته ومع تلك الابتسامة التي ودع بها هذه الدنيا الفانية ، تلك الابتسامة التي سيبقى رفاق دربه يتذكرونها يوم كانوا يتقدمون إلى شخصه المبارك للتحية والسلام عليه في يوم عيد أو نصر ممنون عليه من الله تعالى ، مسطر بكفه الشريف .

المرء في مثل هذه اللحظات يكون بين حال من الأحوال ، فإما يكون مسلَّم للموت ، وهذا يجعلك تحس أن فيه نظرة للحياة ، أو يكون مسلّم للنفس الأمارة والعياذ بالله ، فهذا تراه يبكي الدنيا ولا تعنيه مخافة الله في شيء ، وهذا ليس له نصيب في ذكر الله تعالى كآخر كلمة يودع بها الدنيا ، وامرؤ يخاف الموت لكنه يذكر الله سائلاً لله أن يخفف عليه سكرات الموت ويقبله في الصالحين ، ورجال في الخصوص ، كحال قائدنا الشهيد ، ما كان ناظراً لدنيا ولا خائفاً من موت ، مقبلاً على الله ، ناظراً لمنبر النور أمام عرش الرحمن ، فرحاً بلقاء ربه ، فرحاً بلقاء حضرة سيدنا النبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم .

يقول الله تعالى في كتابه الكريم { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } ، أي ، أن رؤية المؤمن للأحداث من حوله تكون بالنور الرباني المسلِّم للإرادة الربانية لا للإرادة الكفرية الشيطانية التي قد تأتي المؤمن بظاهر قوة مزيفة لا سلطان لها على قلوب المؤمنين الراضين ، وهكذا رأينا شهيدنا المجيد ، قدّس الله سرّه ، يرى الكفر وأهله من حوله ظاهراً ، وما كان يرى في قلبه إلا نعيم الله ورضوانه ، فما زاده إلا إيماناً بالله وتسليماً بأن الله تعالى { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، فرأيناه يتقدم بخطوات يسابق الموت فيها نحو الحياة التي أعدها الله تعالى له ، نعم ، لم يلحق الموت به ، لأن إمامنا الشهيد ، لم يكن نصيبه الموت { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } ، ولو استعرضنا حياة القائد الشهيد ، لتبين لنا جلياً أنه ما كان يخشى الموت يوماً وهو مقدام على الجهاد من خلال التصدي للقوى الكفرية في العالم ، أمريكا وأذنابها ، ما كان يخشى الموت ، بل كان أبداً مستقبلاً للشهادة ومعانيها ، ورأينا حضوره بين جنده ، جند الحق ، في ساحة الشرف وهو يصد الهجمة الخمينية المجوسية ضد العراق ، وفي أم المعارك ، وحضوره مع المجاهدين من فجٍّ لآخر يقاتل معهم قوى الكفر والضلالة ، { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ } ، وقال سيدنا النبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( خمس من الإيمان من لم يكن فيه شيء منهن فلا إيمان له .. التسليم لأمر الله والرضاء بقضاء الله والتفويض إلى الله والتوكل على الله والصبر عند الصدمة الأولى )) ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .