الدرس السادس : الإنسانية

Published on 30 September 2026 at 05:28

الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد                                                               

الدرس السادس (  الإنسانية  )

 

جومرد حقي إسماعيل

كثير ممن تكلموا عن الإنسانية واعتباراتها ، وصار البعض يتمشدق بالكلام عن الإنسانية بغية استمالة المستمعين إليه وهو أصلاً لا ينتمي للإنسانية من قريب ولا من بعيد ، ومثالنا في ذلك مجرم حروب هذا الزمان ، بوش اللعين الكذاب ، وغيره ممن أخذوا بلفظه الأجوف في ترديد الإنسانية ، وهم ثلة مجرمة عثوا في الأرض فساداً وما أبقوا على قيمة إنسان طامح في العيش بأمان الله ، ناهيك عن ذبحه بكيفية لا تذبح بها حتى الدواب التي حلل الله لنا ذبحها ، وأوصانا رسول الله تعالى سيدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم في الذبح فقال (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) ، لكن اليوم يرى العالم بأسره صنوف الإجرام بحق الإنسان ترتكب في شعب العراق ، ثم يأتوك بالحديث المنمق عن الإنسانية وكأنه لا معنى لإنسان في هذا الكون إلا في ضيعاتهم ، وكأنهم هم العقلاء في الإنسانية وغيرهم قد جُنَّ بها .

الإنسانية ، هي أن ترتقي بمعنى الإنسان في ذاته البشري حتى تكون النفس منسلخة عن الكينونة التي قد جبلت عليها ، ويكون ذلك من خلال تهذيبها وتربيتها على الإيمان ومجاهدتها حتى يصبح الجسد الذي يحتويها وهو الشكل الإنساني قد انتقل إلى الحال النوراني المرتبط بانتقال النفس البشرية من الأمّارة بالسوء إلى النفس المطمئنة الفائزة بالجنّة بوعد الله تعالى ، سبحانه القائل { يََا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً {} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {} وَادْخُلِي جَنَّتِي } ، فالإنسان خلق عجولاً جزوعاً هلوعاً منوعاً طاغياً كنوداً كفوراً وظلوماً ، وإن الترقي بالإنسانية تعني الخروج عن هذه الأوصاف المرتبطة بالنفس الأمارة ، فالإنسان المترقي في الكمالات الإنسانية لا تجده متلبساً بتلك الأحوال التي جُبِلَ عليها والتي بينها لنا الله تعالى في كتابه العزيز ، ولذلك كان الإسلام الوسيلة الأمثل في السمو بالنفس البشرية ومعاني الإنسانية وتجسيد ذلك في حضورها الحياتي بين الناس ، ومن إنسانية الإسلام أن الكثير من البلاد فتحت بمعاني الإنسانية وليس بالسيف ، فالإنسانية أخلاق قبل كل شيء ، فمن سبقك بالأخلاق تقدم عليك بمعنى الإنسانية ، والمسلم المراقب لنفسه الأمارة هو خير من يجسد الأخلاق الحميدة فالإنسانية المترقية ، ولذلك فإن الله تعالى ومن كل ذلك الوصف الموجه للإنسان قد استثنى المؤمنين أهل الثوابت على عقيدتهم وقيم أمتهم ، فقال جل جلاله { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا { } إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا { } وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا { } إِلَّا الْمُصَلِّينَ { } الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ { } وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ { } لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ { } وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ } .

والإنسانية هي حال متقدم في العلاقات بين البشر هنا أو هناك ، فقال جلَّ جلاله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ، فقال سبحانه وتعالى { لِتَعَارَفُوا } ولم يقل ( لِتَقَاتَلُوا ) ، وكلام الله هذا في القرءان العزيز هو ذات الكلام الذي بُعث به سيدنا المسيح عليه السلام ، نبياً للسلام والمحبة { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا { } وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا { } ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } ، { وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } ، معنىً إنساني في الرقي والكمال والحضور بين الناس ،  وبُعثَ به سيدنا موسى عليه السلام { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى { } فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى { } قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى { } قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } ، { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا } لأن المُخاطَبُ إنسان كذلك بالصورة المركبة على الرغم من تدني معناها في ذاته الفرعونية .

هكذا نرى ونفهم الحقيقة الإنسانية كما جاءت بها الرسالة المحمّدية ، وهكذا كانت حياة القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، إنسان حقيقي مترقٍ في كمالاتها ، إنسان حاضر بكل معاني السمو الإنساني بين الناس ، فكان الإنسان العراقي الجديد في إبداعات حياته نموذجاً وثمرة لجهد القائد الشهيد ، قدّس الله سرّه ، ومعه رفاق دربه ، في بناء الشخصية العراقية المستندة على تكاملات المعاني الإنسانية والاعتناء به وبالنفس التي تسكنه ، ومن إنسانيته قوله في آخر رسالة بعثها إلى شعبه وأمته ( لا تَكرَهوا شُعوبَ الدولِ التي اعتدَت عَلينا ، وفرِّقوا بين أهلِ القرارِ والشُّعوب ، واكْرهوا العملَ فحسب ، بل وحتى الذي يستحقُ عملَه أن تُحارِبوهُ وتُجالِدُوه  لا تكرهونه كإنسان وشخوص ، فاعلي الشر ، بل اكرهوا فعل الشر بذاته ، وادفعوا شره باستحقاقه ، ومن يرعوي ويصلح في داخل العراق أو خارجه ، فاعفوا عنه ، وافتحوا له صفحة جديدة في التعامل لأن الله عفو ويحب من يعفي عن اقتدار  ) ، الله أكبر ، هل أدركتم معنىً إنسانياً أكبر من هذه الكرامة التي قد خص بها مولانا ربُّ العالمين قائدنا الشهيد ؟ .

وفي منصة انطلاقة القائد الشهيد ، قدّس سرّه ، في رحلة الشهادة إلى مقر الدار الأبدية ، كان حريصاً على المعنى الإنساني ، كقائد إنسان ، وإنسان قائد ، مترقٍّ في سلَّم الكمالات الإنسانية ، حريص أن يظهر بالكيفية التي تبقي على حالة التفاخر عند شعبه وأمته كرمز جسد قمة معاني الثبات على المبادئ والقيم والعقائد ، فكان شامخاً وهو شامخٌ أبداً ، رأته عيون المؤمنين نوراً دالاً على قمة المعنى الإنساني في حياته حتى لحظاتها الأخيرة على وجه هذه الدنيا ، ومن حوله وحوش هم في أخس معاني التدني الإنساني ، ولولا وقفته بكامل قوة هامته الشريفة ، وحاشاه أن يكون بغير ما كنا موقنين به ، وهي أن الحقيقة الصدامية المجسدة للمعنى الإنساني الحقيقي تبقى قائمة باسقة حتى يبعث الله الأرض ومن عليها ، لأنها عبرت حتى في لحظات وجودها المادي الأخير في هذه الدنيا عن تجليات المعاني الإنسانية ، نقول ، لولا وقفته الثابتة الشامخة ، لتوغل كسرٌ إلى نفس الإنسان الجديد المبني في عصر البناء الإنساني المتقدم ، لكنه كان حريص على أن يبقى العراقي الجديد ومعنى جماهير أمته حاضراً في الإنسانية المتحققة ، وقف ليزيدهم فخراً فوق فخر ، وقف ليبين لشعبه وأمته دلالات الكرامة الربانية فيه وفي كل من ثبت على المبادئ والقيم باعتبار أن الثبات من شيم المؤمنين ، وليس كاملاً في الإنسانية إلا من كان متكاملاً في الإيمان ، وفي ذلك درجات ، وقد وجدنا قائدنا الشهيد في قمة معانيها ، حيث وقف مؤمناً صابراً راضياً بقضاء الله وقدره ، فأصبح الملأ في الأرض وفي الأعلى مدركون للحقيقة الصدامية ، عندما جسد القائد الشهيد معنىً تبناه في حياته النضالية يوم قال ( الإنسان قيمة عليا ، والوطن هو القيمة العليا ) ، فأدرك الناظرون أنه قيمة عليا بحق وتحقيق وأن الوطن هو القيمة العليا حيث يقدم نفسه من أجل الوطن وعزّته وكرامته وترابه وشعبه .

ومما تقدم ، فإن مقياس رقي الأمم أو الفرد في معايير الإنسانية مرتبط بالكيفية التي يُبنى فيه إنسانها ، فإذا كان البناء في خيرٍ ، إنسان حريص على تقدم وسعادة البشرية ، فهو إنسان إنسانيٌّ في مجتمع عرف قدر الإنسان وصانه ، وإذا كان البناء في شرٍّ ، كان الإنسان المُصَوَّر فيها هاوٍ إلى أسفل السفالات ، بهيمي الطبع ليس في عمقه إلا نفس خبيثة لئيمة ، ولذلك ميزَّ قائدنا الشهيد ( قدَّس الله سرَّه ) بين شعوب العالم وقادة الشر في بلدانهم ، وهكذا غادر المجيد ظاهر الدنيا بهذا المعنى الإنساني ليُبقي على قوة أمته وعزّها برجالها الميامين ، أهل الثوابت والاقتدار ، بسم الله الرحمن الرحيم { وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا {} اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .