الدرس الثامن عشر : القيادة

Published on 30 September 2026 at 13:25

الدروس الفوائد  ... في استشهاد القائد                                                     

الدرس الثامن عشر (  القيادة  )

جومرد حقي إسماعيل

القيادة ، أي القدوة ، وهي التقدم على المعية ، والقيادة فن من فنون الإدارة ، وبالتأكيد فإدارة الدولة وقيادة الأمّة تتطلب نموذجاً مترقياً للقائد المشتمل على الصفات والمقومات التي تؤهله التصدي لموقع الصدارة في إدارة شؤون الدولة لضمان حالة التقدم والنهوض بها ، ومن أهم صفات القائد القدوة ، هي الكرم ، حيث تنضوي في معناها مفاهيم الشجاعة والقوة والإباء والإيثار على النفس ، وإلى ذلك من صفات الكمالات الإنسانية وترقياتها في الموقع القيادي ، ومن مقومات القدوة ، هي ، الجماهيرية والمشورة والترقيات الروحية والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الأوقات المناسبة ، واستغلال الوقت استغلالاً أمثلاً ، ومن صفات القائد ومقومات قيادته نستخلص حالة الإقدام كبديهية مطلقة لتقدمه الصفوف إماماً أماماً لهم .

وفي قيادة الأحزاب القومية الثورية ، وقيادة جماهير تواقة للعمل والنهوض على مستوى الساحة العربية ، فإن الواجب القيادي يكون أكبر وأعظم من مجرد قيادة مؤسسة هنا أو هناك أو فرقة عسكرية ، خاصة عندما يكون الحزب على رأس السلطة ويعمل من خلالها على تحقيق أهدافه ، وفي ذلك هو حال حزب البعث العربي الاشتراكي وأهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية ، وقد أثبتت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ومنذ تأسيسه أنها على مستوى عال من المقدرة القيادية في إدارة نظام البعث وجماهيره في المضي نحو تحقيق أهدافه المباركة ، وقد نجح البعث أو كاد أن ينجح هنا أو هناك من ساحات وطننا العربي الكبير في تحقيق طموحات وتطلعات جماهيرنا العربية لولا المؤامرات التي حيكت ضده ، وخاصة تجربة حكمه في العراق والتي امتدت من عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين ولغاية السنة المشؤومة ألفين وثلاثة ، سنة غزو واحتلال العراق .

لدينا قولاً في العراق ، يقول ( الوحدة بآمرها ) ، أي أن صفات آمر الوحدة العسكرية تنعكس على من هم في معيته ، ولننظر من خلال هذا القول إلى شعبنا العربي عموماً والعراقي خصوصاً ، وكيف كانت الأمّة تستمد عزمها وقوتها من حضور القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، على رأس الدولة وحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق ، فقد صار العراق نموذجاً يُحتذى به في الثورية والبناء العقائدي وقدرة أبنائه متفانين في البناء سباقين على طريق التقدم والرقي الحضاري ، وما ينكر الخطط الانفجارية التنموية في دولة البعث العظيم وقيادة الرفيق الشهيد صدام حسين ، إلا جاحد أثيم .

     لقد كان القائد الشهيد حاضراً في البناء والصناعة والزراعة ، وكل حلقات التطور        والتقدم العلمي ، وحاضراً في البناء الفكري والعقائدي لجماهير الأمّة ، كان حاضراً بين الفلاحيين في مزارعهم زارعاً حاصداً معهم ، ورأيناه في المصانع عاملاً مع العمال والموظفين في حلقات الانتاج ، ومتابعاً لبرامج التطور في قواعد وأسس وأركان البُنى التحتية ، وكذا الحال مع النهضة العمرانية التي شهدها العراق في دولة البعث العظيم وقيادة الشهيد المجيد لها .

ولأن قيادة الحزب والدولة كانت في حقيقتها فرق عمل تعمل في صورة جماعية رائعة نحو بناء الغد الأفضل للشعب العراقي وجماهير أمتنا الأبية ، كان القائد الشهيد حريصاً على أن يكونوا أعضاء القيادة على مستوى عال من الإقدام باعتبارهم قدوة في معياتهم ، كل وما كلف به من المهام ، فكان شعاره ( نحن خدم للشعب ) ، وكان مبدأ القائد وحضوره الميداني بين شعبه وجماهيره قد تجسد في تجربة ( القيادة من موقع أدنى ) في الحزب والدولة ، فاستلم القائد الشهيد مهام محافظ الأنبار الباسلة ، ومهام أمين سر شعبة المأمون للحزب ، تاركاً رئاسة الجمهورية وأمانة سر القطر لنائبيه ، وعلى هذا كان فعل كل قيادي في الحزب والدولة .

عرضوا عليه ترك العراق آمناً وعائلته قبل الغزو واحتلال العراق ، رفضها علناً وعلى مسمع العالم كله ، ليجسد حقيقة وقفته القيادية بأنه يتقدم صفوف شعبه في الحرب والجهاد كما قد تقدمهم في السلم والبناء ، وهو القائل ( من لا ينضح عرقاً في بناء وطنه ، لن ينزف دماً في الدفاع عنه ) ، فجاهد في الله حق جهاده ، حتى وهو في أسره ، كانت وقفته أمام المحكمة المزعومة ، وقفة رجل قائد يذود عن أمته ووطنه وشعبه كقائد قبل أن يفكر في حقه مدافعاً عن نفسه ، حيث كان يقول لفريق الدفاع ( أن هذه المحكمة أعدت لأغتيالي ، فليكن جهدنا فيها في كيفية إيصال الرسائل إلى جماهيرنا فنعينهم على الثبات والجهاد على طريق تحرير عراقنا العظيم ) ، وكان له ما أراد ، فحول مسار المحكمة من غاية محاكمته إلى محاكمة هيئة المحكمة وعملاء حكومة الاحتلال الخونة ، ووصلت رسائله المباركات إلى شعبه الذي ما استكان يوماً مجاهداً على طريق تحرير العراق وكامل تراب الأمّة ، حاديهم في ذلك قائداً أميناً على رسالة البعث الخالدة ، حيث وهو ينتقل مع شعبه من نصر إلى نصر في خطوات واثقات نحو يوم التحرير ، إنه القائد المجاهد ، شيخ المجاهدين ، الرفيق الأمين ، الأمين العام للحزب ، عزة إبراهيم الدوري ، رحمه الله تعالى .

وفي وقفته على منصة الشهادة ، كان القائد الشهيد يبعث لجماهير أمته عموماً ورفاق دربه خصوصاً رسالة أخرى ودرساً آخر من دروس النضال الثوري ، وكأن لسان حاله يقول : هكذا تكون القيادة متصلة بسمو معانيها حتى آخر نفس لنا في حياتنا الدنيا ، لأننا مسؤولون عن هذا الشعب أمام الله جلَّ وعلا ، وهاجس الثائر المجاهد القائد أن يغادر الدنيا والشعب راضٍ عنه .

فهل رأيتم قائداً مثل صدام حسين ، راض بقضاء الله وقدره غير جازع ؟ ، ذلك ، لأنه قائد أحسن الفعل القيادي على مر تأريخه النضالي فوقف شامخاً ضاحكاً وقد جعل الموت خلفه ، فأكرمه الله بحُسن الخاتمة ، وثبته بالقول وأحسنه شهادة " لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " .

ويقف القائد المعلم على منصة الشهادة ،  ينظر إلى أمّته ، يهتف لحريتها وفلسطين الحبيبة ، يقف باسقاً كالنخلة التي عشقها رمزاً  للشموخ والسمو الروحي ، يبتسم فرحاً في رضوان الله تعالى ، فرحاً بلقاء جده الحبيب المصطفى ، صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فرحاً وقد أدى أمانة القيادة ، ليُعلّم جماهير الأمّة بأسرها من خلال ابتسامته دروساً في الإقدام وفرحة المفازة ، ولسان حاله يقول : هذا أنا ، صدام حسين ، كنت أميناً في القيادة وأنا بينكم جسداً وروحاً ، حريصاً عليكم مقدماً روحي فداءاً للأمّة ، وها أنا صدام حسين ، أقف اليوم بين يدي الله تعالى في أعظم تكريم يناله العبد ، ألا وهي الشهادة ورضوان الله تعالى عليه ، ها أنا ، أبو عدي ، رفيق دربكم ، أقف اليوم مودعكم جسداً وحاضراً معكم روحاً ، فكما كنت قائداً في القيادة ، وفارساً بين الفرسان ، أتقدم اليوم ركب المجاهدين لأقف شاهداً وشهيداً قبل أن يأذن الله لي بالنفس الأخير ، لأقول لكم ، رفاقي ، إن أمانة القيادة مستمرة حتى النفس الأخير ، ويا أيها الشعب العظيم ، ويا جماهير أمتنا المجيدة ، وأنتم أيها الرفاق الأماجد والرفيقات الماجدات ، امضوا في جهادكم وجهدكم فإننا ما ابتغينا زخرف الدنيا بل سعينا بتوفيق الله إلى رضوانه وطيبات الآخرة ، فمن اشتهى الشهادة فالطريق إليها معلوم قد هدانا الله إليه مناً وفضلاً ، إنه نور الله ، { يهدي الله لنوره من يشاء } .

والله أكبر ، وليخسأ الخاسؤون .