الدرس الخامس والعشرون : الحقيقة

Published on 30 September 2026 at 21:18

الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد

الدرس الخامس والعشرون ( الحقيقة )

 جومرد حقي إسماعيل

لكل ما في حياتنا مسائل تحقيقية سواء كان على مستوى العلوم الدنيوية أو الآخروية ، حتى في كلام الله تعالى المنزل بكتابه الكريم فقد ذهب العلماء إلى تصنيف أحكامه من وجهتين ، الأحكام الشرعية والأحكام التحقيقية ، وكذا الحال فيما جاءت به السنّة النبوية الشريفة ، ولذلك فالواجب على المسلمين الأخذ بالحكم الشرعي ، وفي حالة الترقي في المراتب الإيمانية فإنه يكون على المترقي أن يأخذ مع الأحكام الشرعية الأحكام التحقيقية وهكذا الحال وأعلى بالنسبة للمحسنين وهي مرتبة أولياء الله وهم العارفون ورثة الأنبياء .

والموت واحد من هذه الأمور التي يُنظر إليها من الوجهتين ، الشرعية والتحقيقية ، أو البعض يسميها بالظاهر والباطن وما يرتبط بها من درجات اليقين والتي تصنف إلى ثلاث مراتب ، علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين ، فالموت لعامة المسلمين هو علم اليقين يعلم أن الموت حق لكن لا يعرف حاله عند الموت ، وعند المؤمنين هو حق اليقين حيث يكرمهم الله تعالى بمعرفة الموت بدرجة أكبر من عامة المسلمين فيعلم حاله وخاتمته عند الموت بخبر القرءان العزيز وسنّة رسول الله ، صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وهي البشرى التي ينالها المؤمنون في حياتهم الدنيا ، ولنا في ذلك مثال الصحابة المبشرين بالجنة ، أما عين اليقين ، فلم يبلغ هذه الدرجة إلا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم حيث رؤيته لملك الموت وتكليمه له واستئذانه قبل أن يقبض روحه الشريفة الطاهرة المطهرة .

والمحسنون ، يكرمهم الله تعالى بدرجة عين اليقين في رؤية مقاعدهم في الجنّة ، وفي تأكيد ذلك هو قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( من صلّى علي في اليوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنّة )) والقياس عليه ، وعلى ذلك أجمع جمهور من العلماء في هذا المعنى .

وفي ظاهر الموت وباطنه تميز معنى الوفاة عن الموت ، فالموت انقطاع والوفاة بقاء ، واختلف الموت في عموم معناه بين موت العموم وموت الخصوص ، فقال الله تعالى في كتابه العزيز { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } .

وفي حال قائدنا الشهيد ، صدام حسين المجيد ، في حياته الدنيا وفي لحظات انتقاله إلى الرفيق الأعلى ودار البقاء ، نستطيع أن نفهم معنى الحقيقة التي كان يعيشها القائد الشهيد والتي بها ختم حياته الدنيا ، وباختصار ، فإن الحقيقة تجسدت في حياته الدنيا بأنه كان ينظر بنور الله ، وتجسد ذلك في حكمته ورؤيته للأحداث وقراءته للواقع والمستقبل ، المستقبل الذي أثبت صحة قراءته ، هكذا أنعم الله عليه بأن جعله من أهل الحقيقة والتحقيق .

الحقيقة قد لا يدركها أي امرءٍ ، الحقيقة تتطلب عملاً خالصاً لوجه الله تعالى وحضور القلب بالحال الروحي في العمل وقراءة ما يجري واستنباط ما سيجري ، وهذا هو عين مفهوم الثورة والفعل الجهادي ، وهذا الذي كانت عليه قيادتنا السياسية المجاهدة فأكرمهم الله تعالى بالثبات على طريق الحق ودروب النضال والجهاد ، فكتب للبعض شهادة يشتهيها كل مؤمن وهيأ للبعض الآخر سبل الجهاد من أجل تحرير عراقنا العظيم وكامل تراب الأمّة ، وعلى هذا كان حال الجمع المؤمن من أبناء الشعب العراقي العظيم حيث وقد كانت حالة عمومية أثبت العراقييون بها ومن خلالها بأنهم شعب لا يقهر وبُناة حضارة ورقي بين الأمم حيث وقد كان القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، معلماً في شعبه وأمّته على طريق الحق والحقيقة مقتفياً أثر جده المصطفى ، صلّى الله تعالى عليه وسلّم .

وكما هو الحال في حياته الدنيا ، كان حاله على منصة الشهادة وقبل أن يُغادر الحياة الدنيا إلى دار البقاء ، فقد حرص القائد الشهيد أن يقف وقفة أذهلت العالم في ثباته وتأكيده على ثوابته وثوابت وعقيدة البعث العظيم ، تلك الوقفة التي أراد بها أن يُبقي على معاني العزّة والكرامة والشموخ للأمّة عموماً ورفاقه في البعث الخالد خصوصاً ، فكانت وقفته وابتسامته ورباطة جأشه درساً مضافاً في دروسه إلى شعبه وأمّته ورفاقه ، أن بلوغ الحقيقة كفيلة في تهيئة القلب لاستلام البشائر الربانية ، وأن السمو الروحي في الفعل التحقيقي كفيل باستشعار الفرحة الأبدية قبل النفس الأخير ونزع الروح ، تلك الروح التي بها يبلغ المرء الحقيقة وبها يتحقق من فعله الموافق للرضا الرباني .

والله أكبر ، وليخسأ الخاسؤون