من تغير ، إسرائيل الشرقية أم صدام حسين ؟

Published on 19 September 2026 at 02:50

من تغير ، إسرائيل الشرقية أم صدام حسين ؟

صلاح المختار

أثناء الحرب التي فرضها " خميني " على العراق بين عامي ( 1980 و1988 ) ، زار الشهيد صدام حسين إحدى المدارس الابتدائية في العراق ، والتقى بالطلاب الصغار في العمر ، وأخذ يستمع إلى أسئلتهم ويجيب عليها ، ويوجه إليهم الأسئلة ، وفي سياق ذلك اللقاء سأل الرئيس الطلاب :

من هو العدو الأخطر للعراق ؟ ، فأجاب أحد الطلاب : إيران ، أي « إسرائيل الشرقية » ، لكن الرئيس صدام حسين صحح له الإجابة وقال له : كلا ، العدو الأخطر هو إسرائيل ، وليس إيران .

وبعد اندلاع الصراع المسلح بين إسرائيل الشرقية وأمريكا ومعها إسرائيل الغربية ، ونظراً لحاجة طهران للدعم ، استخدمت دعايتها مقولة الشهيد صدام لإقناع محبيه ، وهم الأغلبية بدعم موقفها استناداً لتلك الحادثة ، وهو ما أثار بعض الإرباك وفرض الحاجة لدحض المحاولة الإيرانية في استغلال اسم الشهيد صدام لخدمة المخطط الفارسي .

المحاججة الإيرانية تقوم على منطق بسيط في ظاهرها : إذا كان صدام حسين نفسه ، وهو الذي خاض الحرب مع إسرائيل الشرقية ثماني سنوات ، قد رفض اعتبارها العدو الأخطر وأكد أن إسرائيل الغربية هي العدو الأخطر ، فكيف يأتي من ينتسب إلى نهجه ليقول اليوم عكس ذلك ؟ ، وهذا التساؤل فرض تساؤلات مضادة وهي :

هل هناك تناقض بين ما قاله الرئيس أثناء الحرب وبين اعتبار إسرائيل الشرقية اليوم الخطر الأعظم ؟ ، وهل تغير موقفنا ؟ ، أم أن الواقع نفسه هو الذي تغير ؟ ، وهل يجوز أصلاً تحويل تقدير استراتيجي صدر في ظرف تاريخي معين إلى حكم ثابت لا يتغير مهما تغيرت الظروف والوقائع وموازين القوى وطبيعة الأخطار ؟ .

قبل كل شيء ، يحب العودة إلى اللحظة التي قال فيها الرئيس ذلك والغاية الاستراتيجية التي كان العراق يعمل من أجلها آنذاك ، ثم مقارنة ذلك الواقع بما حدث بعد غزو العراق وما تكشف بعده عن طبيعة المشروع الإيراني وأدواته وأهدافه .

عندما قال الرئيس ،أثناء الحرب مع إسرائيل الشرقية أن العدو الأخطر هو إسرائيل الغربية وليس إسرائيل الشرقية ، كانت الجهود تُبذل لإنهاء الحرب ، والتذكير بهذه الحقيقة ضروري لفهم ذلك الموقف في ظرفه التاريخي والاستراتيجي الصحيح ، وكان العراق يسعى إلى إنهاء الحرب وقدم مشاريع ومبادرات لتحقيق ذلك ، حتى أصبح معروفاً للعالم أن العراق يريد إيقاف الحرب ، بينما كان خميني يرفض إنهاءها بإصرار ، أضافة لذلك ، فان إسرائيل الشرقية دولة قائمة في المنطقة منذ قرون ، بعكس إسرائيل الغربية الطارئة التي أنشأت عام ( 1948 ) ، ومن بين متطلبات إنهاء أي حرب عدم اتخاذ مواقف تجعل إنهاءها مستحيلاً سياسياً ، فإذا قال العراق في ذلك الوقت إن إسرائيل الشرقية هي العدو الأخطر ، فسيظهر فوراً سؤال منطقي :

إذا كانت هي العدو الأخطر ، فلماذا لا تستمر الحرب حتى القضاء عليه ؟ ، ولهذا كان توصيف إسرائيل الغربية بأنها العدو الأخطر منسجماً مع الاستراتيجية العراقية الساعية إلى إنهاء الحرب .

وهذه الحقيقة ضرورية لفهم ذلك الموقف في ظرفه التاريخي والاستراتيجي الصحيح ، بدلاً من انتزاعه من زمنه وتحويله إلى حكم أبدي لا يتغير مهما تغير الواقع .

المشكلة ليست أن صدام حسين قال ذلك ، المشكلة فيمن يريد تحويل تقدير استراتيجي صدر في ظروف تاريخية محددة إلى نص جامد ، ثم يطلب من الواقع المتغير أن يخضع للنص ، بدلاً من أن يخضع التقدير السياسي للواقع الذي تغير جذرياً ، والوفاء لمنهج الرئيس لا يكون بتجميد أقواله ، وإنما باستخدام المنهج نفسه الذي استخدمه : دراسة الواقع ، وتشخيص الخطر في مرحلته ، ومراقبة تحولاته ، ثم تحديد الموقف الذي يخدم العراق والأمة العربية في كل مرحلة .

ما الذي تغير بعد غزو العراق ؟ ، هنا تبرز النقطة الأهم في القضية كلها ، لقد حصل تحول نوعي وجذري في طبيعة الخطر الإيراني ، ولم تعد إسرائيل الشرقية مجرد دولة دخلت في حرب مع العراق وانتهت الحرب معها ، بل أصبحت تجاهر بسيطرتها على أربعة أقطار عربية هي العراق وسورية ولبنان واليمن ، وأخذ قادتها يتحدثون علناً عن استعادة المجال الإمبراطوري الفارسي واتساع النفوذ الإيراني خارج الحدود ، فنائب الرئيس الإيراني " محمد علي أبطحي " قال عام ( 2004 ) ، في مؤتمر عالمي في الإمارات العربية ، أنه « لولا المساعدة الإيرانية لما تمكنت أمريكا من غزو أفغانستان والعراق » ، وكرر " أحمدي نجاد " المعنى نفسه ، ثم جاء اعتراف آخر وأخطر من " محمد خاتمي " الرئيس الإيراني ، الذي أقر ، بعد الاتفاق مع " توني بلير " ، رئيس الوزراء البريطاني ، بالموافقة على دخول القوات البريطانية إلى إيران للالتفاف على المقاومة العراقية في أم قصر ، جنوب العراق ، والتي أعاقت تقدم قوات الاحتلال عام ( 2003 ) مدة أسبوعين ، واعترف " ترامب " عام ( 2017 ) بأن أمريكا هي التي مولت الميليشيات والأحزاب التابعة لإيران في العراق منذ بداية الغزو وحتى عام ( 2017 ) ، ثم قام " أوباما " عام ( 2011 ) بتسليم العراق إلى إسرائيل الشرقية ، في تأكيد حاسم على التلاقي الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل الغربية ومكملتهما ، في معاداة العرب ، إسرائيل الشرقية .

وهكذا تغيرت طبيعة الخطر ، ففي مرحلة الحرب ( العراقية - الإيرانية ) كان العراق يواجه دولة معادية وراء حدود معروفة ، أما بعد غزو العراق ، فأصبح يواجه مشروعاً أستعمارياً إيرانياً يمتلك أحزاباً وميليشيات وقوى سياسية وأدوات بشرية تعمل داخل الحدود العربية نفسها ، وهذا هو التحول المميت والأخطر : الانتقال من عدو وراء الحدود إلى عدو يمتلك أدوات داخل الحدود  ، فالجيش الإيراني الذي يعبر الحدود يمكن تحديده ومواجهته ودحره ، وهو ما فعله العراق أثناء حرب خميني عليه ، باعتباره جيشاً أجنبياً ، أما عندما يمتلك المشروع الإيراني ميليشيات وأحزاباً وقوى محلية ترتبط به عقائدياً وسياسياً وعسكرياً ، فإن الخطر يصبح أكثر تعقيداً ، لأنه ينتقل من المواجهة بين دولتين إلى الاختراق من داخل الدولة والمجتمع ، وهذا التحول وحده يكفي لإعادة النظر في ترتيب الأخطار ، ولئن احتلت إسرائيل الغربية فلسطين وأقامت مشروعها الاستيطاني الاستبدالي فيها ، فإن المشروع الخميني أكبر وأوسع وأخطر من المشروع الصهيوني ، أذ منذ البداية تبنت طهران استراتيجية تتجاوز حدود إيران وتشمل العالم كله ، تحت عنوان تصدير الثورة الإسلامية وإعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات العربية وأخضاعها للنموذج الايراني .

وهنا يظهر التحول الجذري في صورة إسرائيل الشرقية مقارنة بما كانت عليه أثناء الحرب التي فرضها خميني على العراق ، فلم تعد المسألة مجرد نزاع أو حرب بين دولتين ، وإنما تكشف مع مرور الزمن ، مشروع يتجاوز الحدود الإيرانية ، ولديه أدوات لتنفيذه خارجها .

التصريحات التوسعية تكشف النية ، لكن الوقائع تكشف القدرة على تحويل النية إلى فعل ، وإسرائيل الشرقية ، منذ غزو العراق قتلت هي وميليشياتها ما لا يقل عن خمسة ملايين عراقي ، وطهران دمرت التعليم في العراق ووضعت مناهج ذات رؤى فارسية ، وفتحت ( 62 ) جامعة في العراق تدرّس التاريخ من وجهة نظر فارسية ، وأسهمت في نشر مختلف أنواع الانحلال الأخلاقي ، وأسست مع أمريكا الفساد بمختلف أشكاله ، وأسهمت في فرض حكام على العراق أنصاف أميين ، فاسدين ، ساقطين أخلاقياً ، ولا يتمتعون بالحد الأدنى من الثقافة .

وقد أدت هذه السياسات إلى تحويل العراق إلى بؤرة للتخلف ، فعادت الأمية والفقر بصورة أشد وأبشع ، وانتشر الفساد الأخلاقي والمخدرات عمداً وتخطيطاً ، حتى وصلت إلى المدارس الابتدائية ! ، وقبل أيام قرأت لأحد سفراء إيران قولاً مفاده إن العراق فارسي وأنهم عادوا إليه الآن .

فهل يمكن بعد كل هذه التحولات ، أن نعود إلى عبارة قيلت قبل غزو العراق ونستخدمها لإلغاء كل ما حدث بعد ذلك من تحولات جذرية خطيرة وغير مسبوقة ؟ .

إن منطقاً كهذا يلغي التاريخ ، لأنه يتعامل مع عشرات السنين من الوقائع والتحولات وكأنها لم تقع ، ولكي تتضح الصورة بصورة حاسمة يمكن الاستناد إلى معيار موضوعي لأي قوة مسلحة تعمل داخل قطر عربي ، يقوم على أربعة أسئلة :

من يمولها ؟ ، من يسلحها ؟ ، لمن تعلن ولاءها ؟ ، ومن يملك القرار النهائي في استخدامها ؟ .

إذا كانت الإجابات تشير إلى دولة أجنبية ، فإن المسألة لم تعد خلافاً فكرياً أو مذهبياً ، بل أصبحت قضية سيادة وطنية ، وهنا نسأل : لمن أُعلِن ولاء " حزب الله " في لبنان ، والحوثيين في اليمن ، والحشد الشعوبي في العراق وغيره : لإسرائيل الشرقية أم للوطن ؟ ، والجواب جاء على ألسنة قادتهم أنفسهم ، فمثلاً قال " حسن نصر الله " : « أنا جندي في جيش حسين العصر ، الإمام علي خامنئي » ، وله تصريح معروف آخر يقول فيه : ( إن أكلنا وسلاحنا ورواتبنا وعتادنا من جمهورية إيران الإسلامية ) ، وله تصريح ثالث يفيد بأن الطموح ليس جعل لبنان جمهورية إسلامية منفردة ، وإنما جزءاً من جمهورية إسلامية أوسع عاصمتها طهران .

وهنا لا يعود السؤال هو : هل القرار وطني أم مرتبط بدولة أجنبية ؟ ، فمن يعلن ولاءه لدولة أجنبية ، ويتلقى منها المال والسلاح ، ويجعل وطنه جزءاً من مشروعها السياسي ، يضع نفسه موضوعياً في موقع الطابور الخامس ، مهما تكن الشعارات التي يرفعها .

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً :

ما قيمة مقاومة إسرائيل الغربية ، حتى لو كانت صادقة في مقاومتها لها ، إذا كانت النتيجة النهائية هي خدمة المشروع الامبراطوري لإسرائيل الشرقية وإخضاع الوطن له ؟ ، فالوطن لا يتحرر باستبدال تبعية بتبعية ، والسيادة لا تتحقق بإخراج نفوذ أجنبي وإدخال نفوذ أجنبي آخر ، وهناك قاسم مشترك آخر بين المشروعين الفارسي والصهيوني ، لا يقتصر على معاداة العرب والثأر من بابل فقط ، وإنما يتعلق أيضاً بطريقة استخدام التاريخ لتبرير التوسع في الحاضر ، ففي الفكر الفارسي تظهر فكرة أن المناطق التي وصل إليها الفرس أو حكمها أجدادهم في التاريخ هي ارضهم ، وهذه نظرية مطابقة للنظرية الصهيونية التي تقول أينما وجد أثر أو مقام يهودي فإن المكان لليهود ، وكلا المنطقين يحاول تحويل التاريخ القديم إلى سند لمطالب سياسية معاصرة ، متجاهلاً الشعوب التي تعيش على الأرض منذ الاف السنين وحقها في السيادة عليها .

من هنا فإن أوجه التشابه بين إسرائيل الغربية وإسرائيل الشرقية لا تتوقف عند المطامع في العراق والوطن العربي ، وإنما تمتد إلى المنهج المستخدم في تسويغ التوسع نفسه .

بعد هذه الملاحظات الجوهرية نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه :

هل يجب أن نبقى أسرى لعبارة قالها الشهيد صدام حسين قبل غزو العراق ، وقبل كل ما حدث في العراق وسورية ولبنان واليمن ، وقبل أن تتكشف ميدانياً بهذا الحجم أدوات المشروع الإيراني ومجالات سيطرته ؟ ، الغبي وحده هو الذي يتوقف ويتجمد عند نقطة معينة في التاريخ ، بينما تتغير أمامه الوقائع والقوى والأخطار ، ثم يصر على أن حكم الأمس ما زال صالحا ! ، ومما له دلالات استثنائية ما قاله رئيس البرلمان الإيراني ، قبل أيام ، مخاطباً الإيرانيين ومعاتباً إياهم ، ( أن لبنان قدم أكثر من ألفي شهيد دفاعاً عن إيران ، بينما لم يقدم الإيرانيون أنفسهم إلا بضع مئات من الشهداء من أجل إيران ) ، وتساءل : ( هل اللبنانيون أحرص منكم وأخلص لإيران؟ ) ، فإذا كان المسؤول الإيراني نفسه يصف الدم اللبناني بأنه قُدم دفاعاً عن إيران ، فما الذي يبقى غامضاً حول هوية الجهة المستفيدة ؟ ، واذا كان قادة الميليشيات الإيرانية في العراق يقولون بلا تردد نحن سنقف مع إيران اذا وقعت حرب بينها وبين العراق ، فكيف يمكن قبول بقاء أي تردد في تشخيص هؤلاء على أنهم جواسيس وطابور خامس إيراني يتموضع بين أضلعنا ؟ .

إذا جمعنا هذه الحجج السياسية والاستراتيجية والتاريخية والقانونية والأخلاقية ، يصبح الاحتجاج بعبارة « قال صدام حسين » عاجزاً عن مواجهة الوقائع التي استجدت بعد قوله ، فالرد ليس بإنكار ما قاله صدام حسين ، ولا محاولة تأويله بعيداً عن زمنه ، على العكس تماماً : نحن نضع قوله في ظرفه التاريخي الصحيح ، ونفهم لماذا قاله ، وما الاستراتيجية التي كان العراق يتبعها آنذاك ، ثم نسأل ، ماذا كان سيقتضي المنهج نفسه بعد أن تغير الواقع جذرياً ؟ .

قبل غزو العراق كان الخطر الإيراني خطراً تمثله دولة معادية تقع وراء الحدود ، أما بعد الغزو ، فقد أصبح مشروعاً استراتيجياً نفذ ميدانياً وتسبب في كوارث هي الأبشع في التاريخ للشعب العربي في العراق وسورية واليمن ولبنان وغيره ، مشروع تنبع خطورته المميتة من أدوات سياسية وعسكرية وبشرية داخل عدة أقطار عربية ، ويستند إلى عقيدة « تصدير الثورة الإسلامية » التي لم يحصرها خميني في الوطن العربي ، بل طرحها للعالم ، وهذه الميزات الخطيرة عجزت عن امتلاكها إسرائيل الغربية وامريكا .

وبقياس الكوارث التي صنعتها إسرائيل الشرقية في الوطن العربي بالكوارث التي صنعتها إسرائيل الغربية يبدو واضحاً أن الخطر الصهيوني ومهما كان عظيماً ، فإنه خطر خارجي نملك الحصانة ضده ، بينما الخطر الفارسي مندس بين أضلعنا ومتغلغل في آيات ديننا ومحشور ضمن روابط الكثير من مواطنينا .

‏Almukhtar44@gmail.com

4-9-2026