ما هي الشرعية الحزبية ؟ ، ومتى بُجرد ممارسها منها ؟

Published on 19 September 2026 at 01:34

ماهي الشرعية الحزبية ؟ ومتى يجرد ممارسها منها ؟                                        

             صلاح المختار

عالمنا يمر بمرحلة السقوط الحاسم لكل أغطية الخداع والتضليل في المفاهيم والعقائد ، ولعل أوضح صورة هو تعري الغرب إلى الأبد من أغطية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة ، وحرب ( الجينوسايد ) التي تشنها أمريكا وإسرائيل على فلسطين منذ شهور دليل واضح ولا يحتاج للشرح ! .

نعيش في عصر ردة بشعة اسوأ بمراحل من قانون الغاب ، فمن عاش قانون الغاب كان بدائياً لا يملك إلا العصا والرمح ووعي بسيط جداً ، لهذا كان أذاه محدوداً ، أما الردة الحالية في الغرب ( المتحضر ) فهي ردة من يعرف ويعلم ويعي أكثر مما يجب ، ويملك أدوات الإبادة أكثر مما يجب ، لذلك فنحن الآن أمام أزمة قيم أولاً وقبل كل شيء ، ونحن نرى أن جرائم بشعة ترتكب بحق ملايين البشر الأبرياء ، كما يفعل الغرب والصهاينة ! .

الخيارات لم تعد محيرة بين الحق والباطل وبين الشرعية المحتازة من قبل الجلاد وبين ضحاياه سواء كان غرباً وصهيونية أو عناصر مجندة من بين صفوفنا لتمزيق قوانا الوطنية وباسمها وتحت شعاراتها وبقوة اسم قيادتنا القومية ، والتي تم السطو عليها من نغول المخابرات الأمريكية أو الإيرانية أو الموساد ! .

نكتب بعد أكثر من ثلاثة أعوام على خروج مؤامرة اجتثاث البعث إلى العلن ، وهي المؤامرة التي ظهرت داخليا بوضوح في عام ( 2011 ) مع تفجر ما سمته زمرة الردة في الحزب ب( الربيع العربي ) أو ( الثورات الشعبية الديمقراطية ) !  ، وأسمينا  نحن ما حدث ويحدث ( الربيع العبري ) ، لان نتائجه هي ما نراه من خراب حل بكل قطر وقعت فيه تلك الفتنة ولم ينشأ أي بديل ديمقراطي أبداً ، ومع ذلك ، فهذه الزمرة ما زالت حتى هذه اللحظة تعتبرها ثورات ! ، وذلك مؤشر آخر يؤكد أنها تابعة للغرب والصهيونية بوعي تام  .

 ومن هذا التناقض في فهم ما يجري ، بدأت ظاهرة تمزق الحزب وتفجرت الأزمة بقوة بعد رحيل الرفيق الأمين العام ، عزة إبراهيم رحمه الله ، والذي اكتشف بوضوح وجود مؤامرة تنفذها زمرة جواسيس تسللوا إلى القيادة القومية ، كما أكد برسالة بعث بها لكاتب هذه السطور والذي قدم استقالته من قيادة الحزب رفضاً لحالته المتفجرة بسبب ذلك التكتل ، والرسالة كانت رداً على طلبي الاستقالة وتحدد سبب رفض الأمين العام لاستقالتي بتأكيد واضح قال فيه : ( اسحب استقالتك من القيادة لأن دوراً تاريخياُ ينتظرك لإحباط أكبر مؤامرة لتسليم الحزب إلى إيران ونظام بشار يقوم بها أفراد في القيادة القومية ) ، وهذه الرسالة استلمتها قبل رحيل الأمين العام ب( 17 ) يوماً في عام ( 2020 ) ، ونشرت أولاً بصيغة كتاب رسمي من مكتب أمانة سر القطر ، وعندما كذبتها زمرة الجواسيس في القيادة القومية نشرنا النص بخط يد الرفيق الأمين ، فأسقطنا كل شك بوجود تجنيد لأعضاء في القيادة القومية من عدة أجهزة  أمنية .

وهذه حقائق ثابتة لم نعد بحاجة لمناقشتها بعد الآن ، وكل ما علينا هو مواصلة عزل وتصفية هذه الزمرة المجرمة وعزل من ما زال يقف معها رغم أننا افقدناها أغلب الرفاق في الوطن العربي ، وإذا كان هناك من يتردد في وصف من سطو على القيادة القومية ب( الجواسيس ) حرصاً على سمعة الحزب ، فإننا نذكر بأن المرض حينما يضربك يجب على الطبيب أولاً تشخيصة وتحديد أسبابه بدقة تامة كي يعالج ، أما إنكاره فهو خطأ طبي قاتل ، وهو كذلك خطأ أخلاقي فادح لأنه يتجاهل حقيقة أنه ليس هناك ضمانة بحصانة كل من انتمى للحزب فمن يعتقد بذلك ساذج أو متساذج ، ونحن نفخر بأننا شخصنا الجواسيس ، وأن تجاهل وجود اختراق أمني يشكل مثلبة في الوعي الأمني في عصر اختراق خصوصيات البشر كلهم ، خصوصاً وأن الكثير من الحزبيين لم يعودوا في حماية النظام الوطني أو رقابته .

إن وحدة الحزب هي شرط نهوضه المسبق ولا نهوض له ولا تحرير للعراق إلا بإعادة اللحمة الرفاقية ، وبها سينهض البعث مؤكداً أنه ليس في قاموسه كلمة ( مستحيل ) كما نرى شعبنا الآن في غزة صامداً في وجه أكبر آلة حربية وأخطرها ، وهذا الواجب المقدس يفرض أولاً تشخيص مواقف العفن وتطهيرها .

إن هذه المقدمة ضرورية جداً لأنها تسهل فهم لِمَ نتحدث الآن عن الشرعية الحزبية ومن يتمتع بها ومن يفقدها وكيف ؟ ، فقد ولجنا مرحلة توحيد الحزب قطرياً ليكون التوحيد شاملاً لكل البعثيين ، فالأمر تجاوز الآن التنظيمات القائمة ، رغم أن بعضها ناضل وما زال من أجل وحدة الحزب وحقق نتائج مبهرة ، ولكن الدعوة لوحدة الحزب بعد كل الخراب الذي حل به أصبحت أقوى وأشمل ، فهي الآن مطلب الأغلبية الساحقة من البعثيين الحقيقيين في العراق ، وهم الضحايا الأكثر تعرضاً للعذاب والموت ، والبعث في العراق هو قاطرة الحزب قومياً ،  لذلك فإننا أقسمنا مرة ثانية بعد قسم العضوية في الحزب على إنقاذه وإعادة وحدته بقوة نضالنا .

فكما كنا السباقون لمواجهة الاحتلال منذ لحظاته الأولى ، سياسياً وإعلامياً وثقافياً وتنظيمياً ، وفي إعادة بناء المعنويات التي انهارت لدى كثيرون نتيجة الصدمة ، فإننا الآن سنتولى عملية توحيد الحزب قطرياً وقومياً وإنهاء الفرقة التي صنعتها عناصر متورطة في خطة اجتثاث البعث ، وسنسقط ما تبقى من أحجار الردة والتثقيف الذي سمم البعض ، فالحزب ليس ملكاً لأحد ، أياً كان ، وهو يبقى لأبناءه المخلصين في كل الوطن العربي .

ولإسقاط آخر حجج من وضع رجل هنا وأخرى هناك ، سنعيد شرح المفاهيم التي تخلق التردد لكي لا يقول أحد أنني لم أكن أعلم ! ، وسنجيب على التساؤلات حول الشرعية ، ومتى تمنح وكيف تسحب ، ومفهوم الأقلية والأغلبية .

مفهوم الشرعية :

في الحياة البدائية للبشر لم يكن مفهوم الشرعية موجوداً ، بل كان مفهوم القوة هو المتحكم سواء في مرحلة الصيد أو مرحلة الزراعة ، وهكذا اقترنت الشرعية بصاحب السيادة أو السلطة على جماعته دون أن يكون للجماعة رأي في تسلطه واستبداده ، فالشرعية هنا شرعية القوة وامتلاك وسائلها ، ولكن الآثار التدميرية للاستبداد فجرت انتفاضات وثورات أطاحت بالاستبداد ، مثل الثورة الفرنسية ، فوضعت قواعد ما يسمى اليوم بالديمقراطية ، حيث أن الشرعية اقترنت بقيام الناس باختيار من يحكمهم وفقاً لقواعد قانونية ، وهكذا لم تعد الشرعية تقترن بفرد ، ولا بفئة ، بل كان وما زال اقترانها الرسمي بضوابطها الإلزامية .

ماذا ترتب على ذلك ؟ ، أول نتيجة كانت انفصال الشرعية عمن يمثلها ، فهي قاعدة موضوعية لا تنسب لفرد أو جماعة وإنما تمنح لهم بقرار من الأغلبية في الانتخابات ، وممارسة الشرعية مشروط ومؤقت ، فهو مشروط بتقيد من يمارسها بسنام الضوابط الشرعية وهو الدستور ، وبقدر ما يتقيد من اختير بالقانون تستمر شرعيته ، وتنتهي بانتهاء الفترة الزمنية ، وهذا هو مفهوم الديمقراطية الحديث .

ومقابل هذا المفهوم للشرعية الديمقراطية ، هناك مفهوم الشرعية الوراثية ، وهي عبارة عن ردة واضحة إلى شرعية القوة ، ولكن موهت بغطاء حريري ، وهو حصر القبض على السلطة وممارستها على الآخرين بمميزات عائلية خاصة ، كما في النظام الملكي غير الدستوري ، أو قبلية ، فرأس السلطة حينما يموت أو يُقصى يحل محله ابنه أو شقيقه ، وهكذا أصبحت السلطة متوارثة ، وتزداد قوة إغراء هذا النوع من السلطة بإضفاء طابع القدسية الدينية عليها ، وهذا يتجسد في مثالين بارزين الآن  ونعيش كوارثنا بسببهما : الأول ، الشرعية التي تضفيها الكتب اليهودية على اليهود من خلال اعتبارهم ( شعب الله المختار ) الذي خلق ليحكم بقية البشر والبقية عبيد لهم ، لأنهم ( جوييم ) .

أما المثال الثاني ، فهو مشتق من المفهوم اليهودي ، وهو حصر السلطة في ( آل البيت ) في التشيع الإثناعشري ، وهذا مفهوم ليس له أي صلة بالإسلام ولا بآل البيت الكرام ، لأن الإسلام  دين الشورى ، والذي لم يسمح بالوراثة ابدأ ، والأدلة قُدمت من النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث أنه وهو يحتضر رفض تسمية من يخلفه من عائلته أو غير عائلته ، وترك أمر اختيار الخليفة للصحابة ، وهم النخبة الطليعية التي نشرت الإسلام ، وهي لا تنتمي لأسرته ولا لقبيلته ، بل هي تمثل كل القبائل والأطراف ، وهذا المفهوم المدسوس على الإسلام يقوم على أن الحكم محصور في الأئمة الإثنى عشر ولا يخرج إلى غيرهم ، كما ادعى " خميني " وتبعه الإيراني الحوثي ، فالشرعية الوراثية مقررة سلفاً للعائلة المقدسة ! .

متى يمكن تجريد صاحب الشرعية منها ؟ ، في المفهوم الديمقراطي ، فإن رئيس الدولة المنتخب وأعضاء البرلمان المنتخبين لهم مدة محددة ، وإذا لم يجدد انتخابهم يفقدون الشرعية ، لذلك فالشرعية في النظام الديمقراطي مستمدة من الانتخاب الحر ، والذي يحكم عملية الانتخاب هو القانون ، أما في الحزب ، فنظامه الداخلي ودستوره يحددان هوية الحزب وصلاحيات أعضاءه وقياداته وكيفية أدائهم ومحاسبتهم ، ومن أبرز البديهيات الثابتة ، هو انتفاء ضرورة طاعة قرارات من لا يتقيد بالنظام الداخلي للحزب ويُعزل ، فهو لا يملك حقاً مقدساً ، وتلك أم بديهيات الديمقراطية .

ما الذي يترتب على كل ما سبق من نتائج ؟ ، عندما لا يتقيد ممارس الصلاحيات بالشروط والحدود التي يعرفها مسبقاً يفقد الشرعية تلقائياً ، ولا يحق له مواصلة ممارستها ، وهذا ينقلنا إلى النقطة الثالثة الأساسية وهي :

هل مفهوم الشرعية منفصل عن مفهوم الأقلية والأغلبية ؟ ، الجواب ، أنه منفصل حتماً ، فلا توجد  صلة بين اكتساب الشرعية وبين وجود أقلية أو أغلبية مع أو ضد من يمارس الشرعية ، فالأصل فيها كما قلنا هو ما يحدده القانون في الدولة والنظام الداخلي في الحزب ، فحينما لا يتقيد ممارس الشرعية بالضوابط يفقدها تلقائياً ،حتى لو كان مدعوماً من أغلبية القيادة معه ، لأن هذه الأغلبية لا تملك حق تغيير الضوابط الشرعية ، بل يجب أن تخضع لها ، وبالتالي فإن الأقلية إذا كانت تمثل في موقفها القانون نصاً وروحاً فإنها هي صاحبة الشرعية والأغلبية فاقدة لها ، ولنتذكر باستمرار بأن الشرعية تقررها الأغلبية في الانتخابات فقط وليس بعدها ، لأن الناخب يمارس حق منح الشرعية أثناء الانتخابات فقط ، والسياسي بأي موقع يخضع للقانون ولا يمكنه التجاوز عليه .

وهذه القواعد ليست مقتصرة على الأحزاب ، فحتى في الدين والحركات الإصلاحية فإنها تبدأ بأقلية ، ولو كانت الأغلبية هي التي تقرر ما هو شرعي وما هو غير شرعي لما انبثقت الأديان ولا نجحت الحركات الاصلاحية ، والتي تبدأ بفرد واحد أو ببضعة أفراد تقف ضدهم الأغلبية بقوة ، وأحياناً مقرونة بالعنف والضغط النفسي ضد الأقلية ، وهذا ينطبق على حزبنا ، فعند التأسيس كان من أسسه يمثل أقلية مثلها القائد المؤسس " ميشيل عفلق " ورفاقه ، رحمهم الله ، والآن الحزب يضم جماهير واسعة ، ومن هذا المنطلق المعروف والبديهي فإن وجود أقلية تتمسك بالحق والقانون والنظام الداخلي يجعلها هي صاحبة الشرعية وممثلها ، بينما الأغلبية إذا لم تكن تتقيد بالنظام الداخلي والقانون فإنها تفقد الشرعية الحزبية بالكامل .

ولدينا أمثلة كثيرة ، فحينما قامت ردة ( 23 شباط 1966 ) في سورية على الحزب وقيادته القومية الشرعية نجح المرتدون في كسب أغلبية الجهاز الحزبي في سورية ، فهل هذا الكسب وفر للنظام البديل الشرعية الحزبية أم أنه فقدها إلى الأبد ؟ ، الجواب ، بقيت الشرعية مع القيادة القومية التي كانت تمثل الحزب بصدق ، وليس مثل من سطو على اسمها الآن ، وهم إضافة إلى ارتباطاتهم الأمنية يتميز أغلبهم بنقص الكفاءة .

ماهي الخلاصة ؟ ..

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على تنفيذ خطة اجتثاث البعث من داخله وبواسطة جواسيس تسللوا للقيادة القومية فقدوا الأغلبية الساحقة من الرفاق ، ولئن كنا في البداية أقلية ، كما في كل الدعوات الثورية ، فإننا الآن نمثل الأغلبية الساحقة قطرياً وقومياً ، والرفاق لم يعودوا يتحملون بقاء الحزب مقسماً ، في زمن هو الأخطر على الأمة كلها ، وذلك بحد ذاته يوفر الحق الأخلاقي والمنطقي لاتهام من يرفض وحدة الحزب ، تحت أي ذريعة ، بأنه ينفذ خطة اجتثاث البعث من داخله .

سنمضي بحسم وقوة لتحقيق وحدة الحزب بمفهومها الأوسع الشامل لكل بعثي مخلص ، وبنفس الوقت نعد لكافة الخطوات المطلوبة لإكمال مؤسسات الحزب القيادية ، وسنواصل المسيرة التي بدأناها في عام ( 2021 ) للوصول للهدف الأقدس ، وهو نهوض البعث واحداً قوياً مهاباً ، مؤكدين بأننا سوف نبقي باب الحزب مفتوحاً ونرحب بمن يلتحق بنا ولو متأخراً ، فمن يتردد الآن وهو الذي قضى في الحزب أكثر من نصف قرن حقوقه مصانة وكاملة ، ولا يملك أحد نزعها إلا من المرتدين بأدلة واضحة .

Almukhtar44@gmail.com

            15-2-2024