الدرس الثامن : ثبات الرجال

Published on 30 September 2026 at 06:52

الدروس الفوائد  ... في استشهاد القائد                                                       

الدرس الثامن (  ثبات الرجال  )

 

جومرد حقي إسماعيل               

كثيرة هي الصفات الخاصة في الخصوص من الرجال ، ومن هذه الصفات هي ، الوفاء بالعهد { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ، نعم ، فالمؤمنون رجال ، فيهم معاني الرجال الحقيقية ، وفيهم خاصة من الرجال قد ترقوا في المراتب الإيمانية حتى بلغوا قمة الثبات على العهد والمبادئ وإن اعترضتهم الملمات فهم متجهزون لها ، بل أن هذا الصنف من الرجال قد نذر نفسه رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الحق وتجهز للرحيل عن الدنيا وهو مطمئن برضا الله ونعيم جنته { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .

والثبات على الموقف أمر ليس بالهين إذا ما تعرضت النفس للهلاك وخُيِّرَ المرء بين الحياة إذا تزحزح عن ثوابته وبين الموت إذا ثبت عليها ، وقد وردت الأخبار عن تزحزح عدد ممن كانوا في صحبة سيدنا النبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم عندما أُكرِهوا عليها ، وقد غفر الله تعالى لهم رحمة منه وعلمه على ما في قلوبهم من الإيمان .

ولكن عندما نرى القائد الشهيد صدام حسين المجيد ، قدّس سرّه ، ونذكر ثوابته وثباته ، نوقن بأنه داخل في قول الله تعالى { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } ، قائد ، ما عرفناه إلا ثابت على مبادئه وعقيدته ، ثوابت أمته وشعبه وحزبه ، وضارباً بقوة الله تعالى على قوى الكفر والضلال لا يخشى في ذلك لومة لائم { أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .

ومن تابع سيرة القائد الشهيد يعلم أنه ممن اختصهم الله تعالى بعظيم عنايته ، وأنه عارف بالصراط المستقيم ، سالك لطريق الحق ، قد طمئن الله تعالى قلبه بالجنة ، ومن طمئن الله تعالى قلبه بالجنة تهون الدنيا عنده ، لأنه بلغ اليقين بفناء الدنيا وخلود الآخرة  ، وإن كل ما في الدنيا هالك { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } .

إن ثبات القائد الشهيد على المبادئ والعقيدة ورفضه مغريات ما قد عرض عليه لقاء زحزحة ولو كانت قيد شعرة عن تلك الثوابت ، هي صورة رائعة بهية لرجل ملأ الله وجه بالنور وبالنور رأيناه يعتلي منصة الشهادة .

مضـى في رُقيِّهِ نحـــــــــــوَ المعـــــــالي   *** شهيـداً قائـماً بينَ  الــــــــرِّزامُ

حبيب الشعب يمضي في خلودٍ  *** ويمضـي غيـره الباغي  رُمامُ

( الرِّزامُ : الرجال الثوابت )

لقد عرفنا القائد الشهيد وهو حاضر بين شعبه وأمته ، أمين على رسالتها ، حريص على بنائها ، وفيٌّ لأبنائها ، صابر على شدائدها ، متقدماً صفوف مقاتليها ، ضارباً لأعدائها ، بارّاً برجالها ، ناصراً لفقرائها { لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } .

إن مشهد استشهاد القائد مشهد سبحاني أعده الله تعالى لرجل داخل في خاصة الخصوص ، فليس من أحد قد رآه في تلك الطلعة البهية على منطلق الشهادة إلا قال ( سبحان الله ما أشجعه من قائد ) ، وقال البعض ( سبحان الله ، ما رأينا أحد معروض على الموت وهو مطبق على ثوابته ) ، نعم { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ........{} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ {} الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .

صدام حسين المجيد ، رجل المهمات الصعبة ، الحسيني الوفي ، الثابت على خطى جده المصطفى سيدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ، وخطى أبائه أئمة الطهر أهل البيت عليهم السلام أجمعين ، وفيهم الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) إذ قال في إحدى خطبه ( ليستخلفن الله خليفة يثبت على الهدى ولا يأخذ على حكمه الرشى ، إذا دعا دعوات بعيدات المدى ، دامغات للمنافقين ، فارجات على المؤمنين ، ألا ! إن ذلك كائن على رغم الراغمين والحمد لله رب العالمين ) ، ولأنه أمين على المبادئ وفيٌّ بعهده مع الله وشعبه وأمته ، فقد ثبته الله تعالى على قول ( لا إله إلا الله محمّد رسول الله ) ، ليغادر بها الدنيا إلى جنات النعيم { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء } .صدام حسين ، القائد الرمز ، القائد المجاهد ، القائد الشهيد ، يبين لرفاقه والناس أجمعين وهو في آخر لحظاته على وجه الدنيا الفانية ، ويذكرهم ، بأن الثبات من سمات الرجال أهل الخصوص ، وأن الله يُري أهل الخصوص مقعدهم في الجنة وهم في الدنيا ، وكأنه يقول لهم ( ألم تروا الفرحة تعتلي محياي ؟ ، هي فرحتي بمقعدي الذي أرانيه الله في الجنة ) ، وقف على منصة الشهادة وهو في قمة معاني ثبات الرجال ولسان حاله يقول : يا رفاقي ، لا تفروا في الزحف ، وأثبتوا تفلحوا ، وتذكروا قول سيدنا النّبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( ثلاثة مواطن لا ترد فيهن دعوة : رجل يكون في برية حيث لا يراه أحد إلا الله فيقوم ويصلي ، ورجل يكون معه فئة فيفر عنه أصحابه فيثبت ، ورجل يقوم من آخر الليل )) ، بسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .