الدروس الفوائد .. في استشهاد القائد
الدرس التاسع ( الوجد الإلهي )
جومرد حقي إسماعيل
الوجد ، أعلى مرتبة في مراتب المحبة ، بعد الحب والعشق ، وهو أن يجد المحب نفسه في حركاته وسكناته مع محبوبه ، وهو إحساس المحب بأنه يعيش في محبوبه حتى يندمج بالكلية في ذات محبوبه ، ولله المثل الأعلى في تواجد المحبين معه وفنائهم في الذات الإلهية .
والمتواجد في محبة الله هو الذي وجد نفسه قائمة بالله وفي الله ولله ، وأن الدين الإسلامي أقامه الله تعالى على أساس المحبة ، وكثيرة هي آيات المحبة في كتاب الله العزيز ، ودرجة المحبة بين العبد وربه تقاس على أساس مستوى العمل والقرب والبعد من الله ورحمته ، وكذا هي مراتب الإسلام ، ثلاثة ، الإسلام والإيمان والإحسان ، والمحسن أكثر قرباً من الله تعالى لرقيه في مرتبته بفضل الله تعالى وعمله الخالص لله تعالى ، وقد بلغتنا أخبار العديد من أهل الإحسان وعن أحوال تواجدهم مع الله تعالى وفنائهم فيه ، حتى أن جهال هذه الأمّة لم يستوعبوا حال التواجد عند أولياء الله تعالى المحسنين فصدوا عنهم وآذوهم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، وأنشدوا في الوجد :
وجودي أن أغيب عن الوجودِ *** بما يبدو عليَّ من الشهـودِ
وفي حال الوجد قال الله تعالى في الحديث القدسي (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها )) ، أي أن التقرب لله تعالى بالأعمال الحسنة هي التي تصل بالعبد للتواجد مع ربه ، فينقطع عن الوجود لأنه آنس بالله تعالى وقريب من ملك الملوك ، وأن بلوغ المرتبة الوجدية تتحقق عندما يبلغ المرء مقام المشاهدة والتي من مقوماتها دوام الذكر والعبادة حيث يقول الله تعالى في حديثه القدسي (( أنا جليس من ذكرني )) .
وفي حال إمامنا ، القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، فإننا لو تدبرنا أمره في حياته الدنيا ، وفي الدقائق التي غادر فيها هذه الدنيا الفانية شهيداً إلى دار البقاء ، فسوف نجد بأنه داخل في الكثير من الوصف الإلهي والبيان النبوي لأحوال المتواجدين مع الحضرة القدسية ، من ينكر رقي حاله الروحي وإيمانه ؟ ، من ينكر زهده في الدنيا ؟ ، من ينكر توجهه لخالقه وخوفه منه وما دخل قلبه خوف ممن سواه ؟ ، وفي ذلك يقول أحد الصالحين ( من خاف من الله خاف منه كل شيء ، ومن لم يخف من الله خاف من كل شيء ) ، من ينكر محبة جماهير الأمّة والمؤمنين ومن حمل معاني الإنسانية له ؟ ، يقول سيدنا المصطفى محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( إذا أحب الله عز وجل عبدا نادى جبريل : إن الله يحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض )) .
وقبل أن نصل في كلامنا إلى منصة الشهادة والحال الذي ظهر عليه ، سنستعرض حاله وهو قائد بين ظهراني شعبه وأمّته ، ليكون لنا واضحاً السر في ثبات القائد والبشارة التي كانت بائنة على محياه الشريف في لحظات استشهاده .
لقد ثبت للقاصي والداني تقدمه قيادة الحملة الإيمانية الكبرى التي آتت أكلها في بناء الجوانب الروحية وتحصين النفس من الزلل والشطحات ، وما الفعل الذي أقدم عليه بكتابة ( الله أكبر ) على علم العراق العظيم بيده الشريفة إلا تجسيداً على حرصه ودفاعه على حرمات الله ورسوله والإسلام وإعلائه لكلمة الحق ، وهو يعلم أن ذلك التوجه سيثير حفيظة أهل الكفر في العالم وسوف يعملون بالخبث الذي عهدناهم عليه في التصدي لهذا التوجه الإيماني ، وفي ذلك يقول سيدنا النَّبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( من آثر محبة الله على محبة نفسه كفاه الله مؤنة الناس )) ، أي أن الله مؤيده وناصره في رزقه وحوائجه ، وبالله عليكم هل رأى أحد منكم القائد الشهيد يوماً يسأل العالم حاجة ؟ ، وهذا يعني أنه كان عاملاً بالله وفي الله ولله ، وهذا هو حال المتواجدين في حب الله تعالى .
وفي الحديث النبوي الشريف (( إذا أحب الله عبداً استعمله للخير )) ، وإذا أردنا هنا أن نسرد فعل الخيرات التي كان قائدنا الشهيد يقوم بها ويوصي ويوجه بها لاحتجنا إلى مسلسل حلقات عديدة حتى نفرغ من إنجازاته ومعنى حضوره اليومي بين شعبه ، قائد كريم لشعب عظيم .
عندما نتناول هنا علامات المحبة والعناية الإلهية للقائد صدام حسين المجيد ، فذلك لأن أساس الوجد الإلهي في حال العبد هو محبة الله له واختصاصه بالعناية والتأييد حتى يصل العبد حال التذوق العشقي فينتقل بالمحصلة إلى الوجد الإلهي فيُفنى العبد في ربه بالكلية ، وليس الوجد والفناء أن ينقطع العبد عن الناس ويترك مصالحهم وينفرد ويختلي في عبادة ربه والأنس معه ، لا ، بل أن من أهم علامات الانقطاع الحقيقي والاستجابة للأنس الرباني هو أن تكون مع مصالح الناس قريب منهم تعمل لهم وأنت فيهم قاصداً رضا مولاك رب العالمين ومحبته .
ثم ، دعوني هنا أسأل ، هل علم أحدكم يوماً أن القائد الشهيد شغله أمر من أمور الدنيا عن أداء واجبه الوطني والقومي ؟ ، أليس الكثير منّا عَلِمَ بالساعات الطوال التي كان يقضيها القائد الرمز سهراً في حل قضايا شعبه وأمّته ؟ ، نعم ، وفي ذلك يقول الحبيب المصطفى صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( إذا أحب الله تعالى عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد )) ، والاقتناء الرباني داخل في حال الوجد الإلهي .
والآن ، كلنا يتذكر طلعة القائد البهية وهو على منصة الشهادة ، أنه كان يعيش دوام حال الوجد الإلهي وثمرة أنسه مع الله تعالى ، بل وحتى آخر لحظات حضوره على وجه الدنيا كان حريص أن يعلم المؤمنين والناس أجمعين بثوابت أمتنا المجيدة وفلسطين الحبيبة حيث خصها بالتحية ويبين للناس أنها في قلبه حتى آخر لحظة ، إن الفرح المرسوم على وجهه الشريف كان معبراً حقيقياً على انقطاعه عن ماديات الحياة والبشارة الربانية له وهو يرى مقعده في الجنّة ، ليقدم درساً مضافاً إلى أبناء شعبه ورفاقه ويقول لهم ، أحبوا الله في شعبكم وأمتكم ، وأحبوا شعبكم وأمتكم في الله ، تفلحوا ، يا رفاقي ، تواجدوا في محبة الله تهون عندكم الدنيا وما فيها ، يا رفاقي ، تذكروا أن من علامات محبة الله الابتلاء ، وأحسن من قال :
ما يَرجع الطرفُ عنه عند رؤيته *** حتى يعودُ إليه الطرفُ مشتاقا
وصدق سيدي رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم القائل (( من أحب لقاء الله ، أحب الله لقاءه )) ، والحمد لله ربَّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيد الأولين والآخرين ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .