الدرس العاشر : الإسلام

Published on 30 September 2026 at 07:12

الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد                                         

الدرس العاشر ( الإسلام )

ـــــــــــــ جومرد حقي إسماعيل

بسم الله الرحمن الرحيم { إنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإسلامُ } ، وهو دين لكل الأمم ، وقد جاءت السنّة النبوية المطهرة لتبين لنا أن باب الإسلام وأول ركنه هو قولك ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ) ، وهي أسـاس السعادة في الدارين حيث قال سبحانه وتعالى { إنَّ الَّذينَ قالُوا ربُّنا الله } أي ، لا إله إلا الله { ثُمَّ استَقاموا } على تقوى الله { فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَ لا هُم يَحزَنونَ } ، وقال رسول الله سيدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( من كان آخر كلامه ، لا إله إلا الله ، دخل الجنّة )) ، وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( آخر كلامه )) هو خاتمة دنياه ، وقوله (( لا إله إلا الله )) أي الشهادة والتوحيد ، الإسلام ، والتهيئة لجواب أسئلة المَلَكَيْنِ في القبر ، وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( دخل الجنّة )) يعني مرضاة الله والفوز بنعيمه برحمة منه تعالى الذي كرمه بإدراك قولة لا إله إلا الله .

والإسلام أول مراتب الدين الإسلامي حيث يرتقي المسلم في مراتبها ليبلغ الإيمان فالإحسان ، وعليه فإننا نجد في الإسلام أركان تشريعية ونوافل تحقيقية متى بلغها المسلم فإنه يكون قد ارتقى نحو المرتبة الإيمانية بفضل من الله تعالى ورحمته ، ولو تدبرنا آيات القرءان العزيز لتبين لنا حقيقة أن الإسلام ليس مسألة انتماء وادعاء فحسب ، بل هي في حقيقة الأمر بداية الترقيات في الكمالات الإنسانية ، فدعوى الإسلام والتسليم تحتاج إلى فعل تحقيقي يؤكد ذلك ، والفعل التحقيقي هو الأعمال والمعاملات التي بينتها الآيات القرءانية والسنَّة النبوية الشريفة بما يكفل إثبات الانتساب إلى الإسلام ، وفي ذلك يقول سيدنا النَّبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( الدين المعاملة )) ، وعليه فإن الإسلام يحمله رجاله الحقيقيون ، وقد بلغنا في الخبر أن تجاراً من اليمن نشروا الإسلام في جنوب شرق آسيا بالخُلق والأدب الإسلامي ، وهكذا هو حال المسلم الحقيقي ، يبين حقيقة الإسلام من خلال عمله وحسن أدبه بين الناس .

وإذا ما تأملنا حال حبيبنا القائد وشهيد أمتنا الكبير ، صدام حسين المجيد ، في اللحظات التي كان يتقدم بها نحو منصة الشهادة ، مقدام راغب في لقاء ربه وقد ألبسه ربُّه نوراً ربانياً { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } ، ومودعاً أمته قائداً سيبقى حاضراً فيها ، يودعها وهو يهتف بحياتها وحياة فلسطين على وجه الخصوص ، لو تأملنا حاله ، لوجدناه داخل في قول الله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ، وقوله تعالى { مَنْ أسلَمَ } أي من كان مسلماً حقيقياً ، بدليل أن الله أتبعها بـ { وهوَ مُحسِنٌ } ، نعم ، لقد أحسن القائد فعله حتى آخر اللحظات التي يغادر بها وجه الدنيا إلى عالم الخلود والشهادة ، وكان القائد الشهيد متنفلاً في تحقيقات الإسلام والإيمان فأقامه الله في مقام الإحسان ، لقد كان رجلاً قائداً ، مجاهداً في سبيل الله ، ناذراً نفسه للدفاع والعمل على مصالح أمّته ودينها وحرماتها ، ولا أعتقد أحداً ينكر هذا في قائدنا الشهيد ، عدوٌّ كان أم صديق ، إلا الجاحدون .

إن تقدم القائد نحو منطلق الشهادة كان يحمل من معاني الإسلام الكثير ، منها ، أننا مسلمون وقد آمنا بقضاء الله وقدره ، وآمنّا أن الموت حق كفعل يراد منه صورة مغادرة ظاهر الدنيا ، لكن الشهيد لا يموت تحقيقاً بالخبر القرآني { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } ، أي أنهم أحياء حتى في مقاماتهم ولكننا لا نتحسسهم بجوارحنا { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ، وكذلك حال التسليم لمن كانت دعواه أنه مسلم يوافقها فعله التحقيقي وترقياته الإيمانية { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } ، أي التسليم لإرادة الله تعالى وأنت في مقام الرضا ، وهل شاهد في الرضا أكثر من تسليم القائد الشهيد ( قدّس سرّه ) لأمر الله تعالى وهو على منصة الشهادة ، مبتسم ومستبشر بلقاء الله والفوز بالمنبر النوراني أمام عرش الرحمن .

إن معاني الإسلام تظهر مع خاصة الرجال ، فإنهم يذكرونك بالله إذا رأيتهم ، وفي ذلك لنا قول سيدنا النبي محمّد صلّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( خياركم من ذكركم بالله رؤيته وزاد علمكم منطقه ورغبكم في الآخرة عمله )) ، ونشهد أن قائدنا الرمز كان حاضراً بيننا مذكراً بالله ، عظيم منطقه ، قاصداً حصاد الآخرة في زرع الدنيا ، خبر فنون القتال فأحسن الفعل فيها ، وجاهد في سبيل الله من أجل عزّة وكرامة الأمّتين .

إن الذي تدبر وجه القائد الشهيد وهو يعتلي منصة الشهادة ، قد رأى الإسلام كله في وجهه ، وكان درساً عظيماً في التسليم ، التسليم لله تعالى الواحد القهار واليقين بما في يديه سبحانه ، درساً يفيض على رفاقه وشعبه في الثبات على الدين لأنه أساس الفلاح والظفر بنعيم الله تعالى والخلود في قلوب وضمائر الناس ، وقد كان سيدنا النّبي صلّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلّم  يدعو ويقول (( يا مقلب القلوب ثبتنا على دينك )) ، ومذكراً ( قادة ) العرب والإسلام بقول رسول الله صلّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( من علم الرمي ثم تركه ، فليس منا )) ، أي من تعلم القتال ولم يقاتل أعداء الله فإنه ليس على ملّة الإسلام ، ودرساً للعالمين أن حقيقة الإسلام هو التسليم للخالق لا للمخلوق ، التسليم لرب الأرباب { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } ، لا التسليم لهوى النفس ، التسليم لمن بيده ملكوت كل شيء { وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، لا التسليم لأمريكا والارتماء بأحضان قادتها المجرمون الداعون إلى الكفر والطغيان .

رأينا ونحن نتأمل وجه القائد الشهيد البهي ، وباليقين ، لحظة الشهادة ، أننا نتطلع إلى وجه مسلم حقيقي ، مترق في المراتب والكمالات ، وذلك بائن في إدراكه الشهادتين ، فغادر ظاهر الدنيا مسلماً مطمئناً بتوفيق من الله تعالى {  أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا } ، رجل يمدك بالهمّة والعبرة حتى وهو على منصة الشهادة لكي تعمل من أجل إعلاء كلمة الإسلام ، وإعلاء راية العراق العظيم ، راية الله أكير ، وأن أمة الإسلام قوية بالله ، وبالرجال الذين سخرهم الله تعالى ، أهل الثوابت والهمّة ، بسم الله الرحمن الرحيم { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .