الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد
الدرس الحادي عشر ( الإيمان )
جومرد حقي إسماعيل
الإيمان حال رقيٍّ تكون فيه وأنت متحقق من إسلامك ومحافظ على درجات رقيُّه ، والإيمان هو استقرار قلبي وطمأنينة يتذوقها العبد بعد أن اجتهد وجاهد في طلب مقصوده ، وهو الله جلَّ جلاله سبحانه القائل { قَالَتِ الأعرابُ ءَامنّا ، قُل لَّم تُؤمِنوا وَلكِن قُولُوا أسلَمنا وَلَمّا يَدخُلِ الإيمانُ فيِ قُلُوبِكُم وَإن تُطيعُوا اللهَ وَرَسولَهُ لا يَلِتكُم مِن أعمالِكُم شَيئاً ، إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحيمٌ } ، وفي ذلك يقول سيدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل )) ، والمؤمن من استقر حال الإيمان في قلبه بدرجات تحقيقه المتباينة التي أعلاها تدخله في مرتبة الإحسان ، وفي كتاب الله العزيز جاء وصف المؤمنين بقوله تعالى { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ {} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } .
وللإيمان أركانه وتحقيقاته ، وأركانه هي ( الإيمان بالله ، الإيمان بالملائكة ، الإيمان بكتب الله ، الإيمان برسل الله ، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله ) ، وفي تحقيق الإيمان الكثير ، منها ، أن تحب لغيرك ما تحب لنفسك ، أن لا تبات وجارك أو ابن عم لك جائع ، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأعراضهم ودمائهم ، والإيمان مُقامٌ على الصبر والعدل واليقين والجهاد ، وكذا على الخوف والرجاء والتوكل والصدق ، وكل المقامات والعبادات القلبية .
أن الناظر إلى وجه القائد الشهيد المشرق وهو في لحظات مغادرته دار الدنيا إلى دار الخلود ، في منطلق الشهادة ، سيلاحظ علامات اليقين بالفوز وبشائر رضا الله تعالى مرتسمة على محياه الشريف ، وهذا إيمانٌ ، وقد تحدثنا مراراً في صبره ، وسوف نسهب في ذلك في درس قادم بإذن الله تعالى ، ولا أحد ينكر حال الجهاد الذي كان عليه القائد الشهيد صدام حسين المجيد ( قدس الله سرّه ) ، ولو استعرضنا حاله في حياة الدنيا حتى آخر لحظة له فيها لوجدناها مراقٍ إيمانية حتى بلغ أعلاها وهو على منصة الشهادة .
الإيمان قوة في الدين ، ونشاط في هدى ، وهو قائد الحملة الإيمانية الكبرى ، والإيمان حزم في لين ، وقد كان هكذا ، قوي في عدله ... والإيمان علو في اليقين ، وهو كان موقناً بما في يدي الله تعالى من خير كثير ... والإيمان حرص في علم ، وقد اشتهر في حياته على متابعة العلوم وحرصه على التعليم وتحقيق حال الرقي عند الإنسان العراقي ، حتى احتلت أمريكا العراق وفيه أكثر من خمسة وأربعين ألف عالم وعموم حال الإبداع عند العراقيين ... والإيمان قصد في غنى ، وكان قائداً عظيماً ، حتى إذا دخلت أمريكا محتلة أرض الرافدين ما وجدت عنده ولا عند أهله أو أولاده درهماً واحداً في أي من بنوك العراق أو البنوك الخارجية ، وما وجدت شبر أرض مُلكاً له ولا مُلِّكَ أهله أو ولده من ذلك شيء ... والمؤمن لا يحيف على من يبغض ، فقال القائد الشهيد وهو في الأسر ( لا تكرهوا شعوب البلدان التي احتلت أرضكم ، ولا تكرهوا قادة تلك الدول بالمعنى الإنساني ، لكن اكرهوا الفعل الذي قاموا به ) ... والمؤمن لا يضيع ما استودع ، وقد استودع الأمّة وجماهيرها ، فحفظ الوديعة في قلبه ووجدانه وحدقات عيونه حتى في لحظات الشهادة وهو يهتف ( عاشت فلسطين حرة عربية ) ... والمؤمن في الزلازل وقوراً ، وكم من مؤامرة تعرض لها العراق وشعبه وقيادته ؟ ، وكنا نراه متقدماً جيش الصابرين ، العراقيين الأباة ، وهو يقودهم من نصر إلى نصر حتى اللحظة التي يرحل بها عن وجه الدنيا الفانية إلى جوار ربه في دار الخلود والسعادة ، نعم حتى في لحظات الشهادة كان منتصراً ، وانتصرت الأمّة به ، وكان حاله فيها درساً مضافاً في دروس الشهادة ، ذلك أن المؤمن بخير على كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله ، وهو منتصر حتى وهو في غرغرته ... والمؤمن يخالط الناس كي يعلم ويناطق الناس كي يفهم ، ومن منا لا يشهد في ذلك للقائد الشهيد ، كيف لا ؟ ، وقد رأيناه وخبرناه وهو يقضي جلَّ أوقاته في مقابلة المواطنين وزيارتهم في دورهم وأماكن عملهم ليطمئن على أحوالهم ... والمؤمن يغار ، ومن كان في مثل مقامه غيرة على أمّته ؟ ... والمؤمن كيس فطن حذر ، ونشهد أنه كان كذلك ، وكان يحذر ( قادة العرب ) من مشاهد نراها اليوم طافية على وجه الساحة العربية ، فهل من متعظ ؟ ... والمؤمن مثل النخلة كله نفع وفائدة ، ويفارق الحياة واقفاً على حال شموخه ، وقد رأيناه ، عاشق النخلة ، عشنا نفعه في حياته الدنيا ورأينا حالة شموخه في أثناء الشهادة ، ونعيش خلود معناه الكبير حتى يرث الله الأرض وما عليها .
يقول سيدنا النبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف )) ، نعم ، لقد كان القائد الشهيد قوياً بالله وقوياً في إيمانه ، وقد أحبه الله تعالى فيسر له طريقاً للشهادة يتمناها كل من آمن بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبسيدنا محمّد نبياً ورسولاً ، وإذا ما تدبرنا ما تقدم لأيقنا أنه داخل في قول الله تعالى { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } ، ولعلمنا أننا كنا نرى الإيمان كله في قائد الإيمان والمعرفة ، لحظة استشهاده ، ودعوى المعرفة بالله لا تكون إلا بالفعل التحقيقي ، ولا يقدر على ذلك إلا رجال أولوا بأس شديد ، رجال فيهم كل معاني الشرف ، هم المؤمنون الحقّ .
بسم الله الرحمن الرحيم { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ { } فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ { } إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ، حسبنا الله ونعم الوكيل ... والله أكبر وليخسأ الخاسئون .