الدرس الثاني عشر : الأصالة

Published on 30 September 2026 at 12:40

الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد                                         

الدرس الثاني عشر (  الأصالة  )

 جومرد حقي إسماعيل

الأصل ، قد يأتي بمعنى الموطن ، كقول الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) في الترك ، هم سيارة ليس لهم أصل ، أي ليس لهم موطن ، وقد يأتي الأصل بمعنى المستقر ، كقول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( إن الأمانة نزلت في جذر )) ، أي أصل القلوب ، مستقرها القلوب ، وقد تأتي بمعنى الجذر ، كقول الله تعالى { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةًكَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء } ، فالأصل هنا هو الجذر ، ويأتي الأصل بمعنى الأساس ، كقول النّبي صلَى الله تعالى عليه وسلّم (( رأيت فيها قصورا أصلها في أرض الجنة وأعلاها في جوف العرش )) ، ويأتي الأصل بمعنى العلّة والمرجع ، كقول المصطفى صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( أصل كل داء البرد )) ، وكذا قالوا في أصل الإلحاد ، الميل والعدول عن الشيء ، ويأتي الأصل بمعنى العرق أو المنبت أو العشيرة ، كقول الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير ، وأصلك الذي إليه تصير )) ، وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( من كرم أصله وطاب مولده حسن محضره )) .

والإنسان ، يعّرف ترقيه بقوة انتمائه لأصله ، فالذي يكون له موطن ويذود عنه بماله ونفسه ووولده ، أصيل بهذه الخصلة ، والذي يعمل بما هو عليه أصله خبث فعلهم أو صلح فهو أصيل موصول بأصله ، وفي ذلك نرى فعل عدد من قادة ( العرب ) هذا الزمان يوافق أصلهم الخبيث في التآمر على أمّتي العرب والإسلام ، فهم أصلاء نحو أصولهم ، ونرى آخرين توافق أصلاتهم منبعهم ومنبتهم الطيب وارتباطهم القوي بالأمّة ، وقد يشطح البعض عن أصله ، فيكون فعله خبيث مخالف لأفعال أصوله الكريمة ، فيقال عنه ( أنه ليس بأصيل ) ، وهذا الحال بحد ذاته ينفي صفة الشرف عن الإنسان الموصوف به ، أما إذا كان أصل المرء خبيث وانسلخ هو عنه ، فيقال له أصيل بارتباطه بأصل الخلق والأدب الإسلامي وخلق أمّة العرب وآدابها الراقية ، والدارج ، هو أن لفظ الأصيل يطلق على من ارتبط بقوة بالأصل الطيب وخصاله في فعله وصفاته .

فالإرتباط بالأصل لا يكون بالإنتساب فقط ، أو بحمل اسم العشيرة والتباهي به ، بل يكون بالفعل والعمل الموافق للأصل ، وكذا ، فإن النصراني واليهودي والصابئي وغيرهم ، هم أصلاء في انتمائهم لأمّة العرب وعملهم من أجل مصالحها والذود عنها في الملمات ، حتى وإن كان ذلك تحت راية الإسلام ، فكل من آمن بالله ربّا وبالإسلام ديناً وبرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم رسولاً ونبياً ، وهو محسن ، فإنه داخل في معنى الأصالة ، ولنا في ذلك رواية من زمن النّبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، حيث كان رجلان من اليهود يتبادلان اطراف الحديث عند باب أحدهما ، فخرج ولد من البيت بيده قطعة خبز يأكلها ، ٍفعنفه والده وأدخله البيت ، فسأله صاحبه ، لم عنفته ؟ ، فقال له ، ألا تعلم أنه شهر رمضان وصيام المسلمين ؟ ، قال ، وما شأنك ورمضان ؟ ، قال ، يجب علينا احترام إخواننا المسلمين وشعائرهم ، فبلغ ذاك الحديث النّبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فقال ((  بشِّروا اليهودي بالجنّة )) ، فاليهودي عمل بأصله الطيب ، اليهودية الداعية إلى توحيد الله تعالى وإحسان العمل ، حيث وإن حقيقة كل دين هو الإسلام .

ولو تدبرنا حياة القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ( قدّس سرّه ) ، وتدبرناه في لحظة استشهاده ، لتبين لنا معنى الأصالة بكامل خصالها ، فارتباطه العميق والقوي بأمّة العرب من خلال قوله وفعله ، لا ينكرها إلا جاحد أعمى الله قلبه ، وفعله ودعوته لنصرة الإسلام ورفع رايته ، بائنة لكل ذي لبٍّ وبصيرة ، وما كلمة ( الله أكبر ) التي خطّها على راية العراق العظيم إلا واحدة من ذلك التعظيم للإسلام وتمسكه بالعروة الوثقى واتكاله على الله تعالى ، فكان حرّا أبياً ، يذود عن حياض أمّتي العرب والإسلام ، فقاتل المجوسية العفنة في حرب دامت ثمان سنوات ، مانعاً العرق المجوسي من الامتداد في جسد الأمّة ، وضرب الكيان الصهيوني في أوكاره ، محققاً فعلاً ظنت الصهيونية بأنها في منأى عنه ، فكان فعل رجل أصيل حريص على كرامة أمّته وأمنها ، وتصدى للخبث الأمريكي اللعين ، ومن لفّ لفها ، وأذنابها ، فقاتلها قبل الاحتلال مانعاً طغيانها وكفرها من تحقيق موطئ قدم لها في أرض اللإسلام والعرب وممتثلاً لأمر الله تعالى { قاتلوهم } ، وقاتلها بعد الاحتلال مجاهداً مع أبناء العراق والأمّة العربية الغيارى في مقاومة سيسجل التأريخ معانيها إلى يوم الدين ، وسيذكرها الأجيال الأصلاء بفخر ، جيل بعد الجيل ، كعنوان للعزّة والكرامة ، وقاتلها وهو في أسره بثباته على أصله العروبي ، رغم كل العروض التي قدّمت له ، وقاتلها وهو في ساحة مسرحية المحاكمة ، حيث ما ظهر قط مدافعاً عن شخص صدام حسين ، بل كان حاله مدافعاً عن أمّتي العرب والإسلام وأرض العراق وشعب العراق ، وهذا هو حال الأصيل الذي يأثر بكل تلك القيم على نفسه ولو كان به خصاصة القيادة باعتباره رئيساً لجمهورية العراق ، أصيلاً ، لا يخشى في الله لومة لائم ، ما داهن قط ، وما أدلس على شعبه شيء في المعاني النبيلة ، قوي بربه ، قوي بعقيدته ، قوي بشعبه ، قوي بمبادئه ، قوي بأصالته التي ما أثلمتها الملمات قط ، ثابت بثبات عروقه الممتدة إلى جده المصطفى صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، عربي كريم ، حتى التحق بالأكرم منا جميعاً ، الشهداء ، الذين بذلوا النفس في سبيل الله ومن أجل رفعة وكرامة وعزّة أمتهم ، ومعلوم أن الكرم والشجاعة والفروسية من صفات الأصلاء .

وفي لحظة استشهاده ، كان عزيزاً ، رابط الجأش ، قوي ، كريم وهو يعلم أنه يقترب من آخر أنفاسه في حياته الدنيا ، ساوموه على حياته قبل تنفيذ الاغتيال بساعات ، فرفض لأنه أصيل لا يفرط بقيمه ومقدرات شعبه العظيم ومعاني أمّته المجيدة ، أقبل على منصة الاستشهاد وهو ضاحك مبتسم والموت يجري خلفه ، حتى أن ضحكته أذهلت من لم يعرف حقيقة صدام حسين وثباته ، والأصيل أبداً ثابت بصلاح ونقاء أصله ، وقوي بقوة أصله ، كان أصيلاً حتى اللحظات الأخيرة ، فأراه الله تعالى قصره الذي أصله في الجنّة ، سقوفه التي عند عرش الرحمن ، فكان خير عرب زمانه كخيرية أمّته التي أخرجها الله للناس وأظهرها على باقي الأمم ، وأظهر عروبيته بكامل معانيها ، وقدّم للناس درساً في الأصالة ، كأنه يقول لنا ( كونوا أصلاء تأمنوا فتنة الحياة والممات ، قوتكم في أصالتكم ، كونوا أصلاء ، يبشركم الله بفرح الحياتين ، كونوا أصلاء ، ينصركم الله على أعدائكم ، كونا أصلاء ، أي موصولين بدينكم وعروقكم العربية ، كونوا أصلاء ، أي أكرموا أصولكم ومعانيها التي نشأتم عليها بالفعل القوي والثبات الرجولي ، كونوا أصلاء ، أي قاتلوا من يحاول أن يمس معاني أصولكم بسوء ، كونوا أصلاء بالفعل حتى تثبتوا صحة انتمائكم لأمّتكم المجيدة ) ، بسم الله الرحمن الرحيم { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةًكَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .