الدرس الثالث عشر : الجهاد

Published on 30 September 2026 at 12:44

الدروس الفوائد .... في استشهاد القائد                                         

الدرس الثالث عشر (  الجهاد  )

جومرد حقي إسماعيل

الكثير ، كتب وقال في الجهادين ، الأصغر والأكبر ، فالجهاد فرض عين على المؤمنين ، في السلم والحرب ، والمانع للجهاد كالمانع عمارة المساجد بالقياس { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، ففي السلم ، نحن مأمورون بجهاد النفس الأمارة والهوى لقول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، مجاهدة العبد هواه )) ، أي هوى النفس ، والذي يمنعك من الجهاد هو ذاته الذي يمنعك من كل العبادات الواجبات ، نفسك الأمّارة ، فأنت إذا لم تجاهد نفسك ، وهو جهادك الأكبر ، لن تجد نفسك قادرة على جهاد الكفر وأهله ، أعداء الله وأعداءك الذين استباحوا أرضك وعرضك ودمك وقيمك وعقيدتك ، في جاهدك الأصغر ، والجهاد يحتاج إلى التبصرة ، والتبصرة لا تكون إلا باليقين والاطمئنان بما هو في يد الله تعالى ، وأن ما عند الله خير وأبقى للذين يفقهون ، وأن الحياة الدنيا فانية ونعيم الآخرة دائم ، والاطمئنان لا يكون إلا بذكر الله تعالى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ، ولذلك ، فإن الله تعالى قد قرن الذكر وتزكية النفس كشرطين لإيتاء الصلاة ، فقال جلَّ جلاله { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى {} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } ، وقرن النّبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم الجهاد بذكر الله كشرط للإتيان بها على أحسن وجه ، فقال صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( لا يصلح الجهاد إلا بذكر الله ، وإنما الجهاد شعبة من شعب ذكر الله ، وطوبى لمن أكثر في الجهاد من ذكر الله )) ، وقوله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( ذكر الله تعالى لا يمنعكم من القتال في سبيله بل هو عون لكم على ذلك )) .

والمتتبع لسيرة القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، بتدبر ، في حياته الدنيا وحتى لحظة استشهاده ، سيجده في حال الجهاد المستمر ، وما كانت حياته في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي وبين جماهير أمته إلا قائداً متقدماً لهم في الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل سمو أمّة العرب وظهورها على باقي الأمم كمقام طبيعي لها والتي كوّنها الله تعالى بها ، وكان داخل في قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله )) ، حيث كان يرعى الأرامل بشكل عام وأرامل الشهداء بوجه خاص ، حتى أنه قد أقرَّ بمخصص شهري وبيت ومصاريف الزواج من أرملة شهيد ، فكان أن بُنيت في العراق أحياء سكنية خاصة بالأرامل ، وما خبرنا أنه في يوم قد ردّ سائل عن سؤله ، بل العكس ، كان يذهب إلى المساكين في بيوتهم ويخفف عنهم معاناتهم ، وقد خبرناه أنه قد رفع الحيف عن الكثير وضمن للعراقيين عيش العزّة والكرامة ، جاهد نفسه بربه ، فجاهد الكفر وأهله ، وجاهد المنافقين ، وتصدى لدول الكفر والضلال العالمين في القادسية الثانية ( قادسية صدّام المجيدة ) ، وفي أم المعارك الخالدة ، وفيها ، الحواسم التي يحصد فيها رجال المقاومة البطلة كل يوم رؤوس الكفر وأذنابه منذ اليوم الأول لتجرئهم في دخول العراق العظيم واحتلاله ، وخبرناه مجاهداً للإحتلال بتقدمه صفوف المقاتلين الأبطال من أبناء الأمّة العربية المجيدة ، وقدّم نفسه وماله وأهله وولده في سبيل الله من أجل تحرير كامل تراب الأمّة من دنس الكفار ورجس المنافقين ، وخبرناه صابراً محتسباً في أسره ، ورأيناه مجاهداً في ساحة ما يسمونه ( بالمحكمة ) ، فكان ينطق بالحق في وجه قضاتها المأجورين ، فكان في قول سيدنا النّبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )) ، فكانت بشرى الله تعالى له أن يسر له طريقاً للشهادة ، سبيلاً لجنات النعيم { الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ {} يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } .

وفي يوم تنفيذ حكم عملاء الكفر والاحتلال في اغتياله ، رأيناه مقاتلاً لهم بالحبل الذي لفوه على رقبته الشريفة ، ساوموه على حياته ، لكنه أبى لأنه موصوف بالجهاد ما حيا ، جاهد محاولاتهم الخاسئة في إشغاله وصرفه عن ذكر الله تعالى ، فثبّته الله تعالى على القول الثابت ، ليغادر الدنيا بالشهادتين رغم أنوف الكفار والمنافقين ، وهذا ظاهر معلوم في تثبيته سبحانه وتعالى له بالقول الثابت في آخرته كذلك ، { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء } .

إن الذي يتدبر قائدنا الشهيد في لحظة الاستشهاد ، سيوقن بأنه ينظر إلى مجاهد من طراز نادر ، ورقي عال ، كان فَرِحٌ بما قد سلف من حياة جهادية ، وفرح بما هو آت من نعيم أخروي مبشر به ، إنه مشهد لمجاهد قد أقامه الله تعالى في مقام الشهادة ، حجّة الله تعالى على عباده في حياته الدنيا وفي لحظات استشهاده ، ما كان ينظر للخونة من حوله ، بل كان ينظر إلى شعبه وأمّته ، شامخاً ، وكأنه يلقي فيهم درساً في معاني الجهاد والاستشهاد ، وحقيقته الروحية تقول ، ها أنا صدّام حسين ، ما سكنت الدنيا يوماً قلبي ، ها أنا أبو الشهداء ، أقدّم نفسي بعد أهلي ومالي وولدي في سبيل الله من أجل حرمات الله تعالى وأمّتنا المجيدة وتبقى رؤوسكم مرفوعة وهاماتكم تعانق الذرى ، ها أنا حفيد الحسين الشهيد ، فرح بما آتاني الله تعالى من فضله ، ويذكرنا بقول الله تعالى { انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ، كنت قائداً أميناً لكم في السلم والحرب ، فلا تتخلفوا عني في الجهاد وركب الشهداء ، ولا تنسوا قولي ، الشهداء أكرم منا جميعاً ، وأكرموا أمّتكم بدمائكم ، والتزموا الكرم فإنه جلّ صفات الرجولة ، أنتم رجال البناء والقتال ، أهل عزم كما عهدناكم ، فلا تنكثوا عهدكم الذي عاهدتم ، في القتال معي تحت راية الله أكبر والذود عنها ، حيا على الجهاد ، حي على الجهاد ، حي على الجهاد ، فإني ناظركم في نعيم الله وجوار المصطفى صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم على منابر من نور عند عرش الرحمن ، بسم الله الرحمن الرحيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .