الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد
الدرس الرابع عشر ( الصبر )
جومرد حقي إسماعيل
بسم الله الرحمن الرحيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ { } وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ { } وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ { } وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
الصبر مقام عند المحسنين ، أولياء الله تعالى ، فهو عبادة قلبية ، وهو الطريق إلى مقام الرضا ، ولا يتأتى الصبر إلا بمجاهدة النفس الأمارة ، والتصبر من المجاهدات ، فإن التصبر قوي على النفس البشرية ، فمجاهدة النفس هي مخالفتها وشهواتها ، والصابر لا يلتفت إلى الدنيا وقد أوقن بفنائها ، والجازع متشبث بها وبزينتها وزخرفها ، والصبر هو صبر القلب ورضاه بالقدر لا صبر اللسان وجزع في القلب ، والصابر سعيد في دنياه سعيد في آخرته { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
وقد جعل الله تعالى صبر المؤمنين بشرى لهم وطريقاً إلى معيته ومرضاته وجناته ، فقال جلَّ شأنه { َلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } ، وقال جلّ جلاله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ،.
والصابر رابح الدنيا والآخرة ، حيث يقول الله تعالى { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ { } أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } ، ويقول سبحانه وتعالى { وَالْعَصْرِ { } إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ { } إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } ، ويقول سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني ( قدّس سرّه ) : من عمل لدنياه خسر الدنيا والآخرة ، ومن عمل لآخرته ربح الدنيا والآخرة ، وقال سيدنا الجنيد البغدادي ( قدس سره ) : الصبر ، تجرع المرارة من غير تعبيس ، وقال حضرة الإمام جعفر الصادق ، عليه السلام : الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور والصفاء ، وقد أحسن من قال :
وإذا اعترتك بليـة فاصبر لها صبـر الكريـم فإنه بك أعلـم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحـم
والمجاهد في سبيل الله تعالى صابر في حاله ومقامه ، فلولا صبره ما طلق الدنيا وأباح نفسه ودمه في سبيل الله تعالى سبحانه القائل { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } ، وعن الإمام علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، قال ( الإيمان على أربع دعائم ، على الصبر والعدل واليقين والجهاد ) .
ونصر هذه الأمّة لا يتأتى بالجلوس والتواكل والركون إلى الفرج ، بل يكون بالصبر ، في العبادات والعمل في طاعة الله ، وجهد الجهاد ، حيث يقول سيدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( أن الصبر على ما تكره خير كثير ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا )) ، وفي بشائر الصبر في الجهاد يقول سيدنا النّبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( من لقي العدو فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره )) .
والمتدبر لأحوال قائدنا الشهيد ، صدام حسين المجيد ، في حياته وفي لحظة استشهاده ، سيعلمه بحق اليقين صابراً محتسباً ما شغلت الدنيا يوماً قلبه ، رجل قائد ، صابر مقدام في الملمات والمحن ، كان يبني مع البناة في حزب البعث العربي الاشتراكي بصبر وعزيمة واقتدار ، وكان مناضلاً بين المناضلين الصابرين على الملكية " المأنجلزة " حتى نصر الله العراقيين في ثورة الرابع عشر من تموز عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين ، لكن القاسمية انحرفت عن مفاهيم الثورة ومضامينها وتطرف الشيوعيون في حياتها ، ولكن نضال رفاق البعث وصبرهم ما نضب يوماً فتوج صبرهم بعروس الثورات في الثامن من فبراير ( شباط ) من عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين ، وما سلمت الثورة الفتية برجالها وفتيانها من دنس المؤامرات حتى وجدت قيادة الثورة وكوادرها مرة أخرى نفسها في نضال سري لا حدود للصبر فيه ، فلملمت صفوفها وترتيب تنظيماتها ، وكان القائد الشهيد يمثل دوراً مهماً وبارعاً بين رفاقه في هذه المرحلة ، مناضلون صابرون وضعوا أرواحهم على أكف أيديهم من أجل أهداف أمتهم في الوحدة والحرية والاشتراكية ، حتى تحقق لهم ما طمحوا إليه بقوة الله تعالى وإرادته ، فكانت ثورة السابع عشر من تموز ( يوليو ) من عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين ، الثورة المجيدة ، وبروح الجهاد وكفاح المناضلين تصدى القائد الشهيد ورفاقه لكل محاولات النيل من الثورة التموزية ، ومضت قيادة الثورة في جهادها ، فكانت تبني وتطهر الأرض من درنات خبث المحتلين وأعوانهم ، وكان القائد الشهيد متقدماً لصفوف الجماهير في البناء وحماية الثورة المجيدة ، فكان يبني ويقاتل ويصبر حتى تكلل له مع كل العراقيين وأمّة العرب نصرهم الموعودون به من الله تعالى ورسوله الكريم سيدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ، فانتصرنا في محو الأمّية ، وانتصرنا لدمشق في حرب تشرين مع الكيان الصهيوني ، وانتصرنا في معركة استقلالنا السياسي والاقتصادي ، فكان تأميم النفط وقانون الإصلاح الزراعي وتصفية شبكات التجسس وزمر العمالة والمؤامرات ، وكان قانون الحكم الذاتي في كردستان العراق ، وانتصرنا في بناء العراق الجديد ، فكان إنجاز خططنا الانفجارية الكبرى ، وانتصرنا في القادسية الثانية ، قادسية صدام المجيدة ، وانتصرنا في أم المعارك ، وانتصرنا في ما دمره الأشرار في أم المعارك ، وانتصرنا في التصدي للفتن ، وانتصرنا في تحدي الحصار وتفتيته ، وانتصرنا في العلم والتكنولوجيا ، وانتصرنا في وحدة العراق أرضاً وشعباً ، وانتصرنا في معركة الحواسم التي ما يزال رجال العراق والأمّة بما فيهم رفاق البعث يسطرون الانتصارات ، نصراً بعد نصر ، في مقاتلة الكفر وأهله وطردهم من أرض العراق الطاهر الزكي ، كل تلك الانتصارات والقائد الشهيد حاضر بروحه وجسده ، قائداً مقداماً ينتقل بشعبه من نصر لآخر ، وما كانت تلك الانتصارات لتكون لولا صمود الشعب وصبره في العمل والقتال وبناء ذاته الجديدة والتفافهم حول قيادتهم الثورية الشرعية ، قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ، وكانت مشاهد مسرحية محاكمة القائد الشهيد ورفاقه من قبل عملاء المحتل الأمريكي صورة كاملة على صبر قيادة البعث وثباتهم يتقدمهم القائد الشهيد ، الصابر الذي قدّم أولاده فداءاً في سبيل الله تعالى ومن أجل تراب عراقنا العظيم وامّتنا المجيدة ، ونحسبه داخل في حديث النّبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( ما من امرءين مسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسبا وصبرا فيريان النار أبدا )) ، فقاتل في ما يسمى بالمحكمة قتال الرزام ،
مضـى في رُقيِّهِ نحـوَ المعـالي *** شهيـداً قائـداً بينَ الـرِّزامُ
حبيب الشعب يمضي في خلودٍ *** ويمضـي غيـره الباغي رُمامُ
هو الضرغامُ في سَـوحِ المنايا *** وكـرارٌ إذا عـمَّ الطغــامُ
هو النورُ الذي ما غـاب عنّا *** وبـدرٌ في سـما الحـقِّ تمامُ
وما كان يدافع في قتاله عن ذات صدام ، بل كان يقاتل نيابة عن كل جماهير الأمّة وكرامة أمّة العرب ، فكان صابراً ورفاقه على أذى الكفر وأهله ، فكان أن يسر له الله تعالى طريقاً إلى الحسنيين ، النصر والشهادة ، فكانت لحظات استشهاده صورة يقينية لحال الشهيد الصابر المحتسب وهو يمضي إلى عليين والموت يجري خلفه ، وعندما وقف وقد لفّ الحبل على رقبته الشريفة ، وقف بذات الشموخ الذي عهدناه فيه ، وقف حتى رأيناه يقاتلهم بالحبل الملفوف ، وقف ليقول لشعبه وأمته ، ها أنا صدام حسين ، قائدكم الذي بنى وقاتل معكم ، ها أنا أنظر لمقعدي في الجنّة ، وقد يسرني الله للشهادة وقول الشهادة ، يا رفاقي : إن الصبر لا حدود له ، فاصبروا تدركوا النصر وترونهم بأم أعينكم ، يا رفاقي : صبركم في جهادكم أرقى من صبركم وأنتم في السلطة وقد كنتم تعملون من أجل شعبكم وأمّتكم ، يا رفاقي : تذكروا قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ، واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ، اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم )) ، يا رفاقي : لا تتخلفوا عني ، حتى لا تحرموا حلاوة الفوز بطعم الشهادة ، أنتم رفاقي في الدنيا وأدعو من الله تعالى أن يجعلكم رفاقي في الجنّة ونحن في صحبة المختار صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ، فعراقنا غالي وأمّتنا عظيمة يستحقان منا كل غال ونفيس ، وما الروح والنفس والدم إلا هبة الله ووديعته فينا لا نبخل بها في سبيله ولا نتردد في وهبها للوطن والشعب بما يرضي الله تعالى ، بسم الله الرحمن الرحيم { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .