الدرس الفوائد ... في استشهاد القائد
الدرس الخامس عشر ( الحجة )
جومرد حقي إسماعيل
الحجة ، في اللغة ، هي ، الدليل والبرهان ، وقد تأتي بمعنى الدعوى أو الذريعة يتذرع بها لإخفاء السبب الحقيقي ، أو تأتي بمعنى ، محل ثقة ، كأن يقال أن هذا العالم حجة ، والنهي عن المنكر ، حجّة يلزم بها الناهي على المنهي ، وكذا ، فإن القرءان إما حجة لك أو حجة عليك ، فتدبرك لكتاب الله العزيز ، يكون حجّة لك ما دمت تعمل به ، ويكون حجّة عليك ما تركت أحكامه وأوامر الله ونواهيه ، وما فرض عليك به ، وما حُرِّم .
وكل قول وفعل ، في دنياك ، أما أن يكون حجة لك ، أو حجة عليك ، فقولك الحقّ وفعلك الحقّ ، يكون حجة لك ، وحجة على غيرك ، فمن استمع وأيقن واتبع ، فلا حجّة عليه بعد ذلك ، ومن سمع وأدبر ، فالحجة عليه قائمة في الدنيا والآخرة ، وفي هذا يقول حضرة سيدنا النّبي ، صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( عليكم بالسمع والطاعة في ما أحببتم وكرهتم ، ألا إن السامع المطيع لا حجة عليه وإن السامع العاصي لا حجة له )) .
وفي هذا الأمر ، لو عقل كل مسلم معنى الحجة ، وما معنى أن يأتي يوم الدين محجوج عليه لا حجة له فيما عصى وأسرف وظلم ، عندها سيعيش المسلمون حياة حقيقية صالحة على قاعدة اعطي الحقَّ الذي عليك ولا تطالب بأكثر من حقك ، أن تفهم معنى ما لك وما عليك في حقوق المواطنة وعدالتها .
ولو تدبرنا وقفة القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، وهو على منصة الشهادة ، ما كانت إلا وقفة ممتدة لمواقفه البطولية الجهادية على مدى أيام نضاله وقيادته في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي ، وكان وكأنه ينظر إلى كل الأمّة حيث وقد هفت الأمّة كلها إليه بقلوبها باعتباره رمزاً قومياً ومجسداً حقاً وتحقيقاً لمبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي وأهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية ، البعث الذي عبر عن أمل وتطلعات الجماهير العربية في الخلاص من كل أشكال الاستعمار والطغيان العالمي ، الجماهير التي كانت تنظر إليه باعتباره قائداً ثورياً حقيقياً صار حجة على كل من تسيّد موقع الصدارة في عالمنا العربي وانسلخ عن معانيه الإسلامية والعروبية بالاستسلام والخنوع لقوى الغرب وأمريكا الصهيوفارسية ، نعم ، فالبعث في مواقفه القومية كان ولا يزال حجة على من تنكر وأبى ، والبعث حجة لمن أيّد وانتمى ، فكان القائد الشهيد عنواناً عظيماً في الثبات بوجه التحديات وهو يقود جماهير الأمّة نحو غد مشرق بكل ما تحمله من معاني الحياة الحرّة الكريمة ، ليوافق قول الله تعالى { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } .
نعم ، هكذا عهدناه ، قائدنا الشهيد ، ما كانت الدنيا أكبر همه ، وما كانت إلا ساحة يعمل بها من أجل تطلعات وطموحات الشعب العربي ، حيث كان يقول لرفاقه في القيادة ( نحن خدم لهذا الشعب ) ، وكانت الشهادة أحب إليه من الدنيا وما فيها ، وهو القائل ( الشهداء أكرم منا جميعاً ) ، فمن الله تعالى عليه أن كتب الشهادة له ولأولاده وحفيده ، فلذات كبده .
المتدبر لحياة القائد الشهيد الجهادية ، سيدرك أن هذا الهمام ، ما انتقل من موقف لآخر إلا وقد ترك مع رفاقه وشعبه حجة الإيمان وهي ذاتها حجة على من استمع وحضر ثم عصى وأدبر ، يقول حضرة سيدنا النّبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، وعلى هذا فإن بيعة القائد حجة على من نكثها إلى يوم الدين ، { يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
مواقف القائد الشهيد كانت حجة له لموافقتها كتاب الله وسنّة نبيه الكريم ، رسول الله محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وحجة على كل من تخاذل وخضع واستسلم وركع للتيار الطغياني الصهيوفارسي الأمريكي ، حجة على كل من ساهم بشكل أو بآخر في احتلال العراق ، البلد العربي المسلم ، باعتباره حرمة من حرمات المسلمين ، فكان ومعه قيادتنا الحكيمة حجة في بنائهم للعراق العظيم ، ومعهم كل العراقيين الأباة خصوصاً والذين التحمت أرواحهم وقلوبهم وكيانهم من أبناء شعبنا العربي عموماً بعراق الجهاد والتحرير ، حجة على من جعل معاني العروبة وجوهر الإسلام خلف ظهره .
وقف القائد الشهيد على منصة الشهادة ، وقد استودعنا الله الذي لا تضيع عنده وديعة ، وقبل أن ينتقل إلى عالم الشهادة والخلود ، أراد أن يبين لهذه الأمّة معنئً عظيماً ودرساً قيماً في الحجة ، ذلك ، وهو يبتسم ولسان حاله يقول بقول الله تعالى { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ، يقول للأمّة جمعاء ، لا تحزنوا وأبشروا ، فإني مغادركم وحجتي بيميني ، وهذا هو سر ابتسامته ، ويمضي يقول ناصحاً ، أوفوا عهودكم في الجهاد والثبات مع أمتكم ومن أجل أمتكم فهي حجتكم التي تقابلون فيها ربكم وهو راضٍ عنكم ، يا رفاقي ، اثبتوا في مسيرتكم وصلوها ، فما أنا فوق هذه المنصة إلا لأن الله تعالى أرادني حجة على العالمين ، وصدق رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم القائل (( ما ظهر أهل بدعة إلا أظهر الله فيهم حجة على لسان من شاء من خلقه )) ، حجتكم في تضحياتكم من أجل شعبكم العربي ، وتذكروا قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( ما من مؤمن أدخل على مؤمن سرورا إلا خلق الله من ذلك السرور ملَكاً يعبد الله ويمجده ويوحده ، فإذا صار المؤمن في لحده جاء السرور الذي أدخله عليه فيقول له : أما تعرفني ؟ ، فيقول : من أنت ؟ ، فيقول : أنا السرور الذي أدخلتني على فلان ، أنا اليوم أونس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك بالقول الثابت وأشهد بك مشهد القيامة وأشفع لك من ربك وأريك منزلك من الجنة )) ، كأني أراه ولسان حاله يدعوا بدعاء جده رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي ، وَأَجِبْ دَعْوَتِي ، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ، وَثَبِّتْ حُجَّتِي ، وَاهْدِ قَلْبِي ، وَسَدِّدْ لِسَانِي ، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي )) ، والله أكبر ، وليخسأ الخاسؤون .