الدروس الفوائد ... في استشهاد القائد
الدرس الثالث والعشرين
( القيمة العليا )
جومرد حقي إسماعيل
لقد خلق الله الإنسان وكرّمه بالعقل الذي يميز به ما بين الحق والباطل وبين ما هو خبيث وطيب ، ويجوز لنا أن نقول التمييز ما بين الصح والخطأ ، ولذلك ، فإن من لا يميز بين هذه الأمور يكون قد اختل عقله أو سلب بتأثير خارجي وما إلى ذلك من الأسباب ، وللإنسان قيم تُحيط به ويتعامل معها ومن تلك القيم ما يُقاس به معيار الرجولة ، بل وأن القدرة على تصنيف تلك القيم بحسب أولوياتها لا يدركها إلا الرجال ويسمو التعامل مع تلك القيم عند خصوص الخصوص من الرجال ، ولنا في ذلك قول الله تعالى { مِنَ المُؤمنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدوا اللهَ عَليه } ، فالمؤمنون هم أهل الصلاح وأهل الحفاظ على العقيدة والقيم والعمل بها وهم خصوص الناس ، فجعل الله منهم خصوص الخصوص الذي ارتقوا في مراتب الإيمان وثبتت قلوبهم على طاعته وما عاهدوه عليه .
ومن تلك القيم ، الكرم ، الشجاعة ، الشهامة ، الزهد ، الفروسية ، الإخاء ، الثبات العقائدي ، الشرف ، الغيرة ، الوطن ( الأرض ) ، الإنسانية ، التراحم ، التوادد ، العدالة ، وما إلى ذلك من القيم التي تحدد رقي الإنسان إذا ما حافظ عليها أو تدنيه إذا ما أهملها كلاً أو بعضاً ، ونجد أن خصوص خصوص الرجال هم الموصوفون بجملة تلك القيم التي لا تُغادر مكنونهم الشخصي وفعل حضورهم بين الناس .
لقد روي أن جبريل عليه السلام جاء لأحد أنبياء الله وقال له : السلام يقرئك السلام ويقول " أعطيتك مالاً وشرفاً وديناً فابقي على اثنين ونأخذ واحدة " ، فقال نبي الله : فليأخذ ماله ، ثم أتاه بعد حين وقال له : السلام يقرئك السلام ويقول " أبقينا لك ديناً وشرفاً فابقي على واحدة ونأخذ واحدة " ، فقال له نبي الله : فليأخذ دينه ، مالي بالدين من دون الشرف .
هذه الرواية في مدلولات كبيرة على علو قيمة الشرف عند الإنسان ، فحفظ الشرف حفظ لكل القيم الأخرى ويكاد يكون الشرف جامع لكل القيم ، فأنت عندما تصف إنساناً بالشرف فإنك تجمل علو الخصائص القيمية فيه ، والعكس صحيح .
ولو عرضنا حياة القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، على ما تقدم والقيم التي ذكرناها سنجد أن تلك القيم كانت متجسدة في مكنونه الشخصي وفي حضوره بين الناس فعلاً وتعاملاً ، وكان يمثل خصوص خصوص الرجال في التعامل بها وتمييزها بحسب أولوياتها ، ومن جملة ذلك قوله ( الإنسان قيمة عليا ، والوطن هو القيمة العليا ) أي أن الإنسانية قيمة بين القيم العليا ، والوطن ينفرد بالقيمة العليا فوق القيم ، ولا يكون ذلك إلا لمن بلغ مراتب الشرف العليا والقيم الإنسانية ، فالأرض ( الوطن ) يسمو على القيم بسمو معنى الشرف ، ولذلك ، تجد أن أهل الغيرة والشرف يذودون عن أوطانهم لارتباط باقي القيم بمعناه وقد جعل الله مقتلهم دفاعاً عن أرضهم شهادة في سبيله لقول رسول الله ، صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( مَن مات دون ماله فهو شهيدٌ ، ومن مات دون دمهِ فهو شهيدٌ ، ومن مات دون أرضه فهو شهيدٌ )) ، وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم (( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ ، أَوْ دُونَ دَمِهِ ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ )) ، فتدبروا كيف جُعلت الشهادة حال الشريف الذي يُقتل دون القيم ، ومن الطبيعي فإن دفاعك عن الوطن هو دفاع عن العرض والمال والدم وغيرها من القيم الأخرى .
لقد كانت قيادتنا السياسية المجاهدة وعلى رأسها قائدنا الشهيد ، صدام حسين المجيد ، حريصة على بناء شخصية العراقي الجديد الجامع في مكنوناته جملة القيم التي تجعل منه مواطناً صالحاً أبيّاً هميماً ، ذلك هو الإنسان العراقي الذي قاتل الهجمة الصفوية مدافعاً ومتصدياً للأطماع الفارسية المجوسية في أرض العرب فكانوا العراقييون حقاً وتحقيقاً حراساً للبوابة الشرقية للأمّة ، وهو ذلك العراقي الذي بنى وعَمّرَ وطنه العراق وضحى من أجل رفعة العراق ونهوضه بين الأمم ، وهو ذات العراقي الذي يقف اليوم مقاوماً للاحتلالين وزمرة العمالة في حكومة الاحتلال ، هو ذلك العراقي الذي لا يرضى إلا بالعيش الكريم أو الشهادة دون ذلك كله .
لقد قدم القائد الشهيد ، صدام حسين المجيد ، من على منصة الشهادة درساً آخراً لأبناء الأمّة عموماً وشعبه العراقي خصوصاً ، درسٌ مفاده أن الروح ترخص دون القيم الإنسانية المجسدة لمعاني الرجولة ، وأن الإنسان بجملة قيمه يرتقي في مراتب العناوين السامية فيلتحق بمقامات رموز الأمّة الذين يخلدهم التأريخ وأسفارهم المجيدة والداخلين في قول الله تعالى { مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } .
إن وقفة القائد الشهيد على منصة الشهادة ووجهة المستبشر الباسم لدليل على فلاحه وظفره بالشهادة التي يشتاقها كل مؤمن ومؤمنة أيقن بالخير بما عند الله تعالى فزهد عما في أيدي الخلق ، ودليل على أنه كان مقبلاً على الله وحياة خالدة وذكر خالد في أمّته وشعبه ، وهذا هو حال من حفظ قيمه وثبت بها وعليها .
وعلى هذا حال السمو الروحي يجتمع اليوم شعبه وتجتمع أمّته وجماهير البعث العظيم في وقفتهم الجهادية ضد كل محاولات الهيمنة الاستعمارية على مقدرات أوطانهم يحدو ركبهم أمين الأمّة وقائدها ، الرفيق المجاهد ، عزّة إبراهيم الدوري ، حفظه الله وأيده بنصر من عنده .
والله أكبر ، وليخسأ الخاسؤون