الإسرائيليتان تزدادان تكاملاً استراتيجياً - الرفيق صلاح المختار

Published on 21 September 2026 at 02:18

ألإسرائيليتان تزدادان تكاملاً استراتيجياً

صلاح المختار

من الأخطاء الشائعة في التحليل السياسي والاستراتيجي ، النظر إلى الأحداث على أنها منفصلة بعضها عن بعض ، وكأن كل تطور يولد وينتهي داخل حدوده المباشرة ، وهذا خطأ ، فالحدث المنفرد قد يبدو عابراً ، بينما يؤدي وضع سلسلة من الأحداث والتحولات في سياقها التاريخي والجغرافي ، وفي ترابطها البنيوي ، إلى ظهور نمط من الفهم الواضح تساعد على أكتشاف روابط الاحداث . ومن هنا ، يطرح سؤالين أراهما ضروريين لفهم بعض التحولات الجارية في السياسة الإيرانية :

هل نحن أمام نمط جيوسياسي متكامل تتحول فيه أطراف الوطن العربي وممراته ومواطن ضعفه إلى أدوات ضغط على قلبه ..

وهل نشهد ولادة ما يمكن تسميته « نظرية شد الأطراف الإيرانية » تجاه العرب ؟ ..

إن نقطة الانطلاق في طرح هذين السؤالين هي التوجه الإيراني الأخير نحو تعزيز العلاقات مع إثيوبيا في أعقاب الموقف المصري الرافض للتوافق مع إسرائيل الشرقية ( إيران ) ، لكن فهم هذا التطور لا يتوفر إذا عزلناه عن التاريخ السابق للمنطقة وعن النظرية الإسرائيلية المعروفة باسم « نظرية شد الأطراف » .

بعد قيام إسرائيل الغربية ، واجهت مشكلة استراتيجية أساسية : وجودها وسط محيط عربي واسع كان وما زال رافضاً لها ، ومن أجل تجاوز هذه المشكلة طورت في الخمسينيات ما أصبح يعرف بـ« عقيدة الأطراف » ، وقامت فكرتها على بناء علاقات مع الدول غير العربية الواقعة على أطراف الوطن العربي في آسيا وإفريقيا لموازنة القوة العربية ، وكانت إيران وتركيا وإثيوبيا من أهم ركائز هذه الاستراتيجية ، وهذا موثق منذ عهد " ديفيد بن غوريون " .

إذن، إسرائيل الشرقية كانت جزءاً مهماً من تصور استراتيجي إسرائيلي يتعلق بكيفية التعامل مع العرب ، ثم حدثت الثورة الإيرانية سنة ( 1979 ) وانقلبت العلاقات بين إسرائيل الشرقية ( إيران ) وإسرائيل الغربية من التعاون إلى العداء ، وتحولت إسرائيل الغربية في الخطاب الإيراني إلى عدو رئيس ، ثم وصل الصراع بينهما في السنوات الأخيرة إلى تبادل الضربات العسكرية المباشرة .

ولكن هل يعني انقلاب العلاقة السياسية بين الدولتين أن الوظيفة الجيوسياسية القديمة التي قامت عليها نظرية شد الأطراف اختفت بالضرورة ؟ .

هنا ينبغي أن نبتعد عن القراءة الميكانيكية وأن نلجأ إلى قراءة ديالكتيكية تفاعلية للتاريخ : فالقراءة الميكانيكية تقول أن إسرائيل الغربية كانت تستخدم نظرية الأطراف ، وكانت إسرائيل الشرقية أحد أطرافها ، ثم جاءت الثورة الإيرانية وانتهت تلك المرحلة ، وبعد عقود بدأت إسرائيل الشرقية سياسة أخرى مستقلة تماماً عن المرحلة السابقة .

أما القراءة الديالكتيكية فتطرح سؤالاً مختلفاً تماماً : هل يمكن أن تتغير العلاقة بين دولتين من التحالف إلى الصراع ، بينما تستمر أو يعاد إنتاج بعض الوظائف الجيوسياسية التي نشأت في المرحلة السابقة ، ولكن بأشكال جديدة ولأهداف مختلفة ؟ ، هل نحن بأزاء معادلة أخرى كانت غير مولودة بعد ، وهي أن إثيوبيا تنتقل من فردية شد الأطراف الإسرائيلي إلى ثنائية شد الأطراف الإيراني المرتبط موضوعياً مع شد الأطراف الاسرائيلي ؟ ، وهل يمكن الفصل بين الشد الايراني والشد الإسرائيلي قدر تعلق الأمر بأثيوبيا .

حاولت طهران استمالة مصر إلى موقف أقرب إليها في الصراع الجاري ، لكنها لم تنجح في ذلك ، فبرز اتجاه إيراني لتعزيز العلاقة مع إثيوبيا بصورة أقوى مما كانت عليه ، ففي ( 12 أيلول / سبتمبر 2026 ) التقى الرئيس الإيراني " مسعود بزشكيان " رئيس الوزراء الإثيوبي " آبي أحمد " ، وبحث الجانبان ، وفق وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية ، تطورات البحر الأحمر والمشهد الأمني الإقليمي ! ، أي أن الحوار لم يكن محصوراً بالتجارة والعلاقات الثنائية ، بل شمل فضاءً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالأمن العربي .

هذه نقطة جديرة بالتأمل ! ، وإثيوبيا ليست دولة عادية بالنسبة إلى مصر والسودان ، إنها تقع عند منابع النيل الأزرق ، وتتحكم من خلال سد النهضة بعنصر شديد الحساسية بالنسبة إلى الأمن المائي لمصر والسودان ، ولذلك فإن تقوية العلاقة الإيرانية مع إثيوبيا ، في ظل الخلاف مع الموقف المصري ، ووجود مؤشرات على تباعد سوداني مع إيران ، يمكن أن تمنح طهران ورقة ضغط تقع عند واحدة من أخطر نقاط الضعف الاستراتيجية العربية .

السودان جزء أساسي من معادلة النيل ، وهو دولة مصب تتأثر بصورة مباشرة بطريقة إدارة النيل الأزرق وتشغيل سد النهضة ، ولذلك فإن أي توظيف استراتيجي للعلاقة مع إثيوبيا لا يضغط على مصر فقط ، وإنما يؤثر في السودان أيضاً ، وهنا تظهر مفارقة ينبغي عدم المرور عليها سريعاً : إثيوبيا التي كانت ركناً في نظرية شد الأطراف الإسرائيلية القديمة ، والتي تحتفظ بعلاقات مهمة مع إسرائيل الغربية ، تصبح في الوقت نفسه موضع اهتمام متزايد من إسرائيل الشرقية ! .

هل تلك حركة ميكانيكية لا أبعاد استراتيجية لها ؟ ، أم أنها حركة ديالكتيكية تقترن بأبعاد استراتيجية خطيرة ؟ .

التفاعل الديالكتيكي يؤكد بأن مصر والسودان تجدان نفسيهما أمام وضع غريب : قوة غير عربية عند منابع النيل ترتبط ، كل لأسبابه الخاصة ، بعلاقات مع قوتين إقليميتين معاديتين للعرب هما إسرائيل الغربية وإسرائيل الشرقية .

لا يشترط وجود اتفاق سري بين طهران وتل أبيب حول إثيوبيا ، فهذه زائدة مقابل ترابط بنيوي إقليمي .

إن النتائج الموضوعية المتقاطعة لا تشترط دائماً وجود تنسيق بين الأطراف التي تنتجها ، فقد تتصارع دولتان عسكرياً وسياسياً ، ولكن سياساتهما تجاه طرف ثالث قد تؤدي موضوعياً إلى نتائج متشابهة أو متقاطعة .

وهنا يظهر السؤال : هل إسرائيل الشرقية التي كانت بالأمس أحد أطراف الاستراتيجية الإسرائيلية بدأت اليوم تعيد إنتاج الآلية الجيوسياسية نفسها لحسابها الخاص ؟ .

تزداد أهمية هذا السؤال عندما ننتقل من إثيوبيا إلى الخليج العربي ، لقد تبادلت الاسرائيليتان الضربات المباشرة في مرحلة سابقة ، ثم توقفت تلك الجولة من المواجهة ، لكن توقف الضربات الإيرانية المباشرة على إسرائيل الغربية لم يعن توقف القوة العسكرية الإيرانية عن العمل في الإقليم .

اللافت للنظر هو اتجاه مركز الحرب نحو الأقطار العربية الخليجية والأردن ، ولا تتعلق المسألة فقط باستهداف القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة ، فلو كانت الضربات الإيرانية محصورة بالقوات الأمريكية لكان من الممكن تفسيرها حصراً في إطار الحرب الإيرانية - الأمريكية ، لكن عندما تدخل منشآت ومصالح وبنى تحتية تخص الدول الخليجية نفسها في دائرة الاستهداف والتهديد ، يصبح السؤال مختلفاً :

لماذا تدفع الدول العربية ثمن صراع تقول طهران إن طرفه الآخر هو الولايات المتحدة وإسرائيل الغربية ؟ ، وإذا كان الهدف هو الضغط على الولايات المتحدة ، فلماذا تتحول نقاط الضعف الاقتصادية والأمنية العربية إلى أدوات في ممارسة هذا الضغط ؟ .

هنا يظهر مرة أخرى المنطق نفسه الذي نبحث عنه : استخدام نقاط الضعف الواقعة في المجال العربي لتحقيق أهداف استراتيجية إيرانية .

ثم ننتقل جنوباً إلى اليمن : فالحوثيون وهم القوة اليمنية الأوثق تبعية لطهران ، أصبحوا لاعباً عسكرياً أساسياً على البحر الأحمر ، وتوسع نفوذهم أخيراً في مناطق شديدة الحساسية قرب باب المندب ، وقد سيطروا في أيلول ( 2026 ) على المخا ومناطق وجزر قريبة من المضيق ، في تطور يزيد أهمية ، موقعهم في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم .

وهنا ينبغي وضع الخريطة أمامنا كاملة : في الشمال الشرقي يوجد الخليج العربي وإسرائيل الشرقية ، وفي الجنوب يوجد اليمن وباب المندب والقوة الحوثية التابعة لطهران ، وعلى الجانب الأفريقي من البحر الأحمر توجد إثيوبيا والقرن الأفريقي ، وفي الشمال الغربي توجد مصر والسودان ، ويرتبط أمنهما المائي مباشرة بمنابع النيل الموجودة في إثيوبيا ، وعندما ننظر إلى كل حالة منفردة قد نجد تفسيراً خاصاً بها ، لكن عندما نضعها جميعاً على خريطة واحدة يظهر أمامنا قوس جيوسياسي يستحق الدراسة :

إثيوبيا ومنابع النيل ، مصر والسودان ، البحر الأحمر ، باب المندب واليمن ، الجزيرة العربية ، ثم الخليج العربي .

وهنا نعود إلى السؤال الأول :

هل نحن أمام نمط جيوسياسي متكامل تتحول فيه أطراف الوطن العربي وممراته ومواطن ضعفه إلى أدوات ضغط على قلبه ؟ .

طهران لم تكن غريبة تاريخياً عن نظرية شد الأطراف الصهيونية ، لقد كانت أحد أهم مكوناتها عندما صاغتها إسرائيل الغربية في الخمسينيات ، واليوم نجد طهران تتحرك تجاه إثيوبيا ، وتتمتع بنفوذ واسع في العراق ولبنان واليمن ، وتملك أدوات ضغط مباشرة في الخليج العربي ، بينما أصبح حليفها الحوثي قوة مؤثرة عند باب المندب .

لذلك فإن وصف ما يجري بأنه مجرد تشابه بين الاستراتيجية الإيرانية الحالية والاستراتيجية الإسرائيلية القديمة قد يكون تبسيطاً للمشكلة ، فنحن ربما بأزاء تحول ديالكتيكي داخل البنية الجيوسياسية نفسها : الطرف الذي كان أحد عناصر نظرية شد الأطراف أصبح ، بعد تغير الظروف التاريخية ، يعيد إنتاج بعض وظائفها بنفسه .

لقد تغيرت إسرائيل الشرقية ، وتغيرت إسرائيل الغربية ، وتحولت علاقتهما من التعاون إلى الصراع ، لكن السؤال الذي يهم العرب ليس فقط : هل الإسرائيليتان حليفتان أم عدوتان ؟ ، السؤال الأهم هو : ما النتائج الموضوعية لسياسات الدولتين على الوطن العربي ؟،  فالصراع بين الاسرائيليتين ، مهما كان حقيقياً وحاداً ، لا يمنع أن تنتج حركتهما في ساحات معينة نتائج متقاطعة تضغط على العرب ، وإذا كانت إسرائيل الغربية قد حاولت تاريخياً تجاوز العرب عن طريق اسرائيل الشرقية وتركيا وإثيوبيا ، ثم وجدنا طهران اليوم تتجه إلى إثيوبيا وتستخدم أوراق القوة الموجودة في المجال العربي ومحيطه ، فإننا نكون أمام ظاهرة تستحق أن يطلق عليها ، على الأقل كفرضية قابلة للاختبار  « نظرية شد الأطراف الإيرانية » .

هل تتشكل عقيدة جديدة ؟ ، هل نشهد إعادة إنتاج لنظرية شد الأطراف في صورة جديدة ، بحيث تتحول إسرائيل الشرقية من دولة كانت جزءاً من النظرية الإسرائيلية الأصلية إلى قوة تطور نسختها الخاصة من النظرية الصهيونية ولكن في إطار فارسي ؟ .

اذا كان الجواب نعم ، فإننا لن نكون أمام تعديل عابر في السياسة الإيرانية ، وإنما أمام تحول استراتيجي بالغ الخطورة : إسرائيل الشرقية التي كانت طرفاً في نظرية شد الأطراف الصهيونية أصبحت منتجاً محتملاً لنسختها الخاصة ، بينما بقي الوطن العربي ، في الحالتين ، هو المجال الذي يقع عليه الضغط من الاسرائيليتين ، ومن المايسترو : أمريكا ! .

Almukhtar44@gmail.com

21-9-2026