عندما تشخص الأنا المتضخمة أزمة الحزب
صلاح المختار
النقد ضرورة لا غنى عنها في الحياة الحزبية ، وهو إحدى وسائل اكتشاف الخطأ وتصحيحه ومنع تحوله إلى نهج دائم ، لكنه لا يصدر دائماً عن الدوافع نفسها ، ولا يؤدي دائماً الوظيفة ذاتها ، فثمة نقد يبحث صاحبه عن الحقيقة حتى لو قادته إلى الاعتراف بخطئه ، وثمة نقد آخر يبدأ من الذات وينتهي إليها ، فتتحول الحقيقة فيه ، من غاية ينبغي الوصول إليها ، إلى أداة تستخدم لتأكيد صورة الناقد عن نفسه وموقعه بالنسبة إلى الآخرين ، والأخطر أن يسخر النقد لإرضاء من بيدهم أمر تعيينه في موقع متقدم .
وهنا نرى ظاهرة عرفتها الحياة السياسية والحزبية كثيراً :
شخص ينتقد طرفين متصارعين ، لا لأنه درس حجج كل منهما وانتهى إلى أن كليهما مخطئ ، وإنما لأن تخطئة الجميع تمنحه الموقع الوحيد المتبقي خارج دائرة الخطأ ! ، وحين يسقط الجميع يبقى هو واقفاً ، وحين يفقد الآخرون أهليتهم للحكم والتقييم يصبح هو صاحب الحكمة ، وحين يصبح المتصارعون جميعاً أسرى المصالح الشخصية والأخطاء ، يستطيع هذا الناقد أن يقدم نفسه بأعتباره الطرف الوحيد المتجرد والحريص والعاقل ! ، وعند هذه النقطة لا نعود أمام اختلاف سياسي عادي ، وإنما أمام ظاهرة تستحق أن تدرس من زاويتين متلازمتين : سياسية ونفسية .
التمحور حول الذات :
مصطلح استخدمناه منذ عقود في كتاباتنا لوصف نمط من التفكير والسلوك ، وهو لا يعني مجرد الإصرار على موقف يعتقد صاحبه أنه صحيح ، فهذا أمر طبيعي ، المشكلة تبدأ عندما تصبح الذات ، بكل نزواتها وتطلعاتها غير المشروعة ، هي المعيار الذي يعاد على أساسه ترتيب الواقع نفسه ، فلا يعود السؤال : ما الذي حدث فعلاً ؟ ، ومن يملك الأدلة ؟ ، ومن أخطأ ؟ ، بل يصبح السؤال المخفى بعناية واضحة : كيف أُحافظ أنا على موقعي باعتباري الطرف الذي كان أكثر حكمة ، والصحيح الوحيد من بين آخرين كلهم مخطئون ؟ .
وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة فقد يصبح الاعتراف بصواب غيره مكلفاً نفسياً ، لأنه لا يعني مجرد تصحيح معلومة ، بل يعني التخلي عن الموقع الاستثنائي الذي منحه لنفسه ، وهو موقع افتراضي سايكولوجي ! ، ولا التراجع عن المطمع غير المشروع الذي تطلع إليه بإخفاء مسألة تحديد من يتمسك بقواعد الحوار - خصوصاً تقديم الأدلة - وبين من يكتفي بالشتم ! ، وهنا يلتقي مفهوم التمحور حول الذات الذي عرفناه سياسياً مع مفاهيم تناولها علم النفس والتحليل النفسي تحت عناوين متعددة ، من بينها النرجسية المتضخمة ، وتعظيم الذات ، والحط من قيمة الآخرين ، والتنافس النرجسي .
وتشير الدراسات الحديثة للنرجسية المتضخمة إلى أن الأمر لا يقتصر على امتلاك صورة إيجابية عن الذات ، فالثقة بالنفس وتقدير الذات لا يعنيان بالضرورة النرجسية ، الفارق المهم أن الصورة النرجسية للذات يمكن أن تكون تراتبية ومقارنة ، أذ لا يكفي أن أكون جيداً ، بل ينبغي أن أكون أفضل ، ولا يكفي أن أكون مصيباً ، بل يصبح إثبات خطأ الآخرين وسيلة لإثبات تفوقي عليهم ! ، وقد قُدمت أبحاث نفسية معاصرة نموذجاً يقوم على مسارين : تعزيز الذات وطلب الإعجاب من جهة ، ومنافسة الآخرين والحط من قيمتهم من جهة أخرى عندما يصبح وجودهم أو نجاحهم مهدداً للمكانة التي يريد الفرد الاحتفاظ بها لنفسه ، وهنا نرى أحد أسباب رفض تحديد من أخطأ ومن أصاب .
تُقدم أعمال المحلل النفسي النمساوي " أوتو كيرنبرغ " مفتاحاً مهماً لفهم هذه الظاهرة ، فطبقاً لتصوره للنرجسية تتكون صورة متضخمة وغير واقعية للذات ، وتعمل آليات نفسية مختلفة على حمايتها ، ومن بين هذه الآليات الحط من قيمة الآخرين ، إلى جانب الإسقاط والإنكار والانشطار ، وقد أشارت مراجعات علمية لأعماله إلى أن العناصر التي لا تنسجم مع صورة الذات المتضخمة قد يجري إبعادها أو إسقاطها على الآخرين ، بما يساعد على استمرار الصورة المتفوقة للذات ! .
وهذه النقطة مهمة لفهم بعض صور النقد السياسي ، فالحط من قيمة الآخر لا يكون دائماً نتيجة اكتشاف أخطائه ، بل يمكن أن يؤدي وظيفة نفسية بالنسبة إلى الناقد نفسه ، فحين أُخفض قيمة الآخر أرفع بالمقارنة موقعي أنا ، وحين يصبح الآخرون جميعاً مخطئين أتحول بصورة ضمنية إلى المصيب الوحيد ! ، وهكذا تنقلب المعادلة : بدلاً من أن تكون إدانة الآخر نتيجة توصل إليها الناقد بعد دراسة الوقائع ، تصبح إدانته ضرورة للمحافظة على الصورة التي كونها الناقد عن ذاته ، حتى لو لم تتوفر أدلة نقد الآخر ! .
ويُقدم علم النفس الحديث مفهوماً أكثر تحديداً يساعد على تفسير هذه الظاهرة ، هو « التنافس النرجسي » ( Narcissistic Rivalry )، الذي ظهر ضمن نموذج « الإعجاب والتنافس النرجسي » الذي وضعه عالم النفس الألماني " ميتيا باك " وزملاؤه . ويميز هذا النموذج بين طريقين يمكن أن تستخدمهما الذات النرجسية المتضخمة للمحافظة على شعورها الزائف بالتفوق : طريق يقوم على رفع قيمة الذات والسعي إلى نيل إعجاب الآخرين ، وطريق آخر يقوم على حماية هذا التفوق من خلال الحط من قيمة الآخرين .
وهذا يساعد أيضاً على تفسير الإصرار على تخطئة طرفي الصراع معاً حتى عندما تكون الأدلة التي يقدمها كل منهما مختلفة في طبيعتها وقوتها ، فإذا اعترف الناقد بأن أحد الطرفين كان مصيباً في قضية أساسية ، فإنه لم يعد يحتكر موقع الصواب ، وإذا اعترف بأن طرفاً قدم وثائق وأدلة تستحق الاعتبار ، يصبح مضطراً إلى إعادة النظر في حكمه السابق .
ولذلك قد يؤدي التمحور حول الذات ، مقترناً بالتنافس النرجسي ، إلى تجاهل الأدلة المخالفة أو التقليل من أهميتها والإصرار على معادلة « الجميع مخطئون » ، لأنها المعادلة الوحيدة التي تترك للناقد موقع « المصيب الوحيد » .
ومن هنا ، يلتقي مفهوم التنافس النرجسي مع ما استخدمناه طويلاً من تعبير « التمحور حول الذات » :
فالأول يفسر آلية خفض قيمة الآخرين للمحافظة على التفوق ، والثاني يصف جعل الذات مركزاً للحكم على الأشخاص والأحداث ، وعندما يجتمعان في الممارسة الحزبية ، يمكن أن يتحول النقد من وسيلة لكشف الحقيقة وتصحيح الخطأ إلى وسيلة لإثبات الذات عن طريق إسقاط الآخرين .
ومن زاوية أخرى ، يُقدم " هاينز كوهوت " النمساوي أيضاً تفسيراً يساعدنا على فهم علاقة الذات النرجسية بالآخرين ، فقد أعطى أهمية كبيرة لحاجة الذات إلى الآخرين في تثبيت قيمتها وصورتها ، وتصف نظريته كيف يمكن أن يستخدم الآخر لتعزيز الذات ، ثم يفقد قيمته عندما يتوقف عن أداء هذه الوظيفة ، فيتعرض للحط من قيمته أو الاستبعاد ! .
وهنا ، نجد مدخلاً بالغ الأهمية إلى الحياة السياسية والحزبية ، فقد يكون الآخر عظيماً ما دام يمنحني الموقع الذي أعتقد أنني أستحقه ، ولكن عندما يصبح مستقلاً عني ، أو يختلف معي ، أو يمتلك حججاً أو موقعاً أو إنجازاً يهدد الصورة التي صنعتها لنفسي ، تتغير صورته فجأة : يصبح مخطئاً ، أنانياً ، باحثاً عن الموقع ، أو جزءاً من المشكلة ! .
وإذا تكرر ذلك مع أشخاص متعددين ، فالسؤال المشروع هو :
لماذا تنتهي علاقات هذا الناقد بالآخرين دائماً إلى النتيجة نفسها ، وهي خفض قيمتهم ورفع قيمته ؟ .
هنا ، نصل إلى الظاهرة التي تهمنا مباشرة ، هناك فارق كبير بين أن يدرس الناقد طرفين متصارعين وينتهي بعد دراسة الأدلة إلى أن كليهما ارتكب أخطاء ، وبين أن يحتاج مسبقاً إلى تخطئة الطرفين لكي يحافظ لنفسه على موقع الطرف الثالث الوحيد الحكيم ! ، في الحالة الأولى تقود الأدلة إلى النتيجة ، وفي الثانية تقود النتيجة المطلوبة طريقة التعامل مع الأدلة .
والاختبار الأهم بسيط :
ماذا يحدث عندما تقدم للناقد الموضوعي وقائع أو وثائق تناقض معادلته ؟ ، الناقد الباحث عن الحقيقة يتوقف أمامها ، يفحصها يقبلها أو يدحضها ، وقد يعدل حكمه كله إذا كانت كافية لذلك ، أما الناقد المتمحور حول ذاته فقد يتجاوز الوثيقة وكأنها لم تقدم إليه ، ثم يعود بعد ذلك إلى تكرار الحكم نفسه ، هنا لا يصبح تجاهل الوثائق مسألة معرفية فقط ، بل قد يؤدي وظيفة نفسية ، لأن الاعتراف بها قد يهدم المعادلة التي يحتاج إليها : ( هم جميعاً مخطئون ، وأنا الوحيد الذي فَهِم الأزمة ) ! .
وتصبح هذه الظاهرة أشد خطورة نفسياً على صاحبها عندما تكون هناك فروق موضوعية بين أطراف الصراع : فإذا كان أحد الأطراف يستخدم الشتيمة أو الاتهام غير المثبت ، بينما يقدم الآخر وثائق وحججاً يمكن فحصها ، فإن العدالة لا تقتضي وضعهما في سلة واحدة ، وذلك يعني أن الحكم عليه يجب أن يستند إلى ما فعله وما قدمه ، لا إلى الحاجة إلى إيجاد ( توازن ) مصطنع في الإدانة .
إن المساواة بين المختلفين ليست دائماً حياداً ، وقد تكون في بعض الظروف نقيض العدالة ، لأن العدالة لا تعني توزيع اللوم بالتساوي ، وإنما توزيع المسؤولية وفق الوقائع ، وحين يوصف صراع له أسباب سياسية وعقائدية وتنظيمية موثقة بأنه مجرد صراع شخصي ، أو يوصف بأنه صراع عبثي من دون تحليل أسبابه ومناقشة وثائقه ، فإن الوصف نفسه يصبح جزءاً من المشكلة ، لأنه يستبدل تفسيراً نفسياً عاماً بتحليل الوقائع التي صنعت الأزمة .
وتزداد المسؤولية عندما يكون الناقد بعيداً عن قلب الأزمة ولا يتحمل بصورة مباشرة نتائجها ، ولم يكن طرفاً فاعلاً فيها ، وهذا لا يسقط حقه في النقد ، لكنه يفرض مسؤولية إضافية : أن يدرك حدود معلوماته ، وأن يتذكر أن الذين في قلب الأزمة عايشوا تفاصيل لا يمتلكها ، وأن أحكامه قد تترك نتائج لا يتحمل هو أثمانها ، بل يتحملها من يعمل داخل الحزب فقط .
فالناقد من الخارج يستطيع أن يصف الصراع كله بالعبث ، ثم يعود إلى حياته الطبيعية ، أما من يوجد في قلب الأزمة فقد يدفع ثمنها غالياً ، ولهذا تصبح الدقة الأخلاقية في الحكم جزءاً من مسؤولية الناقد .
وهنا نصل إلى الخطر السياسي الأكبر في الحالة التي نتناولها ، فعندما يصور الصراع داخل البعث على أنه صراع أشخاص ومصالح ونفوذ ، رغم كل ما قدم من ادلة الردة ، وعندما توضع الأطراف كلها في سلة واحدة ، تكون النتيجة إضعاف الثقة بالحزب نفسه ! ، فإذا كان الجميع يتصارعون على المواقع ، وإذا كانت الأزمة عبثية ، وإذا لم يعد هناك فارق بين من يقدم الوثيقة لاثبات رأيه ومن يطلق الاتهام بلا دليل ، فلماذا يبقى المناضل في الحزب ؟ ، ولماذا يدافع عنه ؟ ، وما القيمة التي تستحق التضحية من أجلها ؟ ، هنا ينتقل أثر النقد السلبي من الأشخاص إلى الفكرة والتنظيم .
وهذه المسألة تكتسب خطورة خاصة لأن البعث واجه منذ احتلال العراق مشروعاً معلناً لاجتثاثه ، ولم تكن كلمة الاجتثاث وصفاً دعائياً اخترعه الحزب ، بل أصبحت عنواناً لإجراءات ومؤسسات وسياسات رسمية بعد عام ( 2003 ) ، ولذلك فإن أي خطاب داخلي يؤدي عملياً إلى إقناع حزبيين بأن حزبهم مجرد ساحة لصراعات شخصية ينبغي أن يدرس أيضاً من زاوية نتائجه السياسية ، لا من زاوية نوايا صاحبه وحدها ، فالعمل السياسي لا يحاكم بالنوايا فقط ، قد يريد الإنسان الإصلاح ، لكنه يستخدم خطاباً يؤدي عملياً إلى الهدم .
هل الأزمة دليل موت الحزب ؟ ، ومن نتائج التمحور حول الذات أيضاً الميل إلى تضخيم دور الناقد نفسه وتضخيم الأزمة التي يحكم عليها ، فإذا كان الجميع مخطئون ، وإذا كانت القيادات عاجزة ، وإذا أصبح الصراع عبثياً ، تصبح الخطوة التالية سهلة : الحزب يتجه إلى النهاية ! ، لكن التاريخ لا يقاس بانطباعات الأفراد .
لقد واجه البعث انقسامات وصراعات وملاحقات وضربات تنظيمية وسياسية وأمنية متعددة في فترات النضال السري ، أما منذ عام ( 2003 ) فقد تعرض في العراق بصورة خاصة لعملية اجتثاث رسمية واسعة النطاق ، وما تبعها من ملاحقات واعتقالات وقتل جماعي وتهجير وخسائر بشرية وتنظيمية كبيرة .
ومع ذلك ، فإن استمرار وجود الحزب ونشاط المنتمين إليه بعد أكثر من عقدين يمثل دليلاً على قدرته على التصحيح والتجدد والمحافظة على وحدته العقائدية والتنظيمية ، تمنع أي فرد من إعلان نهايته ، تلميحاً أو تصريحاً .
وهنا نعود إلى البداية ، فالحزبي لا يترك تركيبته النفسية خارج باب الحزب عندما يدخل إليه ، بل يدخل بكل تناقضاته ، ولهذا كانت التربية الحزبية الحقيقية أكثر من حفظ المبادئ والأنظمة ، فهي أيضاً تدريب طويل على إخضاع الأنا للمبدأ ، وقبول أن يكون الآخر مصيباً ، وامتلاك الشجاعة التي ربما تكون أصعب من شجاعة مواجهة الخصم : شجاعة الاعتراف بأنني أخطأت .
إن الناقد يقول : ( كنت مخطئاً ) أكثر قوة من الناقد الذي يحتاج دائماً إلى إثبات خطأ الآخرين ، والقائد الذي يستطيع الاعتراف بفضل غيره أكثر آمناً على الحزب من الذي لا يستطيع أن يرى قيمة لنفسه إلا عندما يخفض قيمة الآخرين ! .
الخلاصة : المتمحور حول الذات وهو يحاول أسقاط الاخرين يظن أن من يتملق إليه سيمنحه موقعاً تملق للوصول إليه حتى بذبح الآخرين ! ، وهنا نرى قبر دفن الضمير .
1-10-2026